في إحدى الوقائع أن سيدة قد طالبها المؤجر بالإخلاء من منزلها الكائن بالقرب من منطقة السبع بحرات في دمشق ومما جاء في الرد على دعوى المؤجر أن تلك السيدة كانت قد استأجرت المنزل في السيتينات وكان حينها يقع في أطراف دمشق أي في ضواحيها!! ما يعني أن قيمته كانت بخسة لكن أجاره في ذلك الوقت كان مرتفعا نظرا لمكانه المتطرف من المدينة!! إلى هنا فقط انتهى ما يعنينا، وهنا تبدأ قضيتنا في الستينات فقط كان المنزل الواقع في قلب دمشق الآن في منطقة السبع بحرات هو في أطرافها لا بل في ضواحيها، كما الآن ضاحية قدسيا وتشرين وما إلى ذلك، تصورا أن ضاحية قدسيا وضواحي دمر وتشرين وفي عام 2050 سيعتبرون من قلب دمشق بل في وسطها.. وستمتد دمشق لتنسف الريف كله وتصنع مكانه قوالباً من الاسمنت والحديد.. لتزداد البيئة الملوثة و الحاجة إلى الموارد الطبيعية وندرتها المطلقة في ذلك الوقت، وما يتبع ذلك من بطالة وتسرب مدرسي وجريمة وتفكك أسري وأمراض بيئية تنفسية جرثومية الخ........
وهذا السيناريو قد يحدث فعلاً إذا استمرت سورية في التزايد السكاني وكذلك في التجمع السكاني الكثيف في دمشق وريفها وحلب.
ففي رقم غير رسمي تبيّن أنّ دمشق في وقت الظهيرة يصل عدد سكانها إلى ستة ملايين نسمة في العام 2008، وفي رقم رسمي صادر عن التقرير الوطني الأوّل لحالة السكان في سورية 2008 تبين أنّ ما يقارب ثلاثة أخماس سكان سورية الواصل عددهم الى العشرين مليون نسمة يقيمون في حلب وحماة وحمص وريف دمشق ودمشق.
ما يعني أن التجمع السكاني ينحصر في مدن محددة في سورية وهذه من أهم المشاكل السكانية التي تعاني منها بلادنا حيث أن المساحة في هذه المحافظات مكان التجمع لا تشكل أكثر من 13% من مساحة سورية، وأن ما يقارب 44% من سكان سورية يعيشون في دمشق وريف دمشق وحلب!!
وهذا كله ساهم في أن تنتمي سورية إلى شريحة البلدان المرتفعة في الكثافة السكانية، فوصلت الكثافة السكانية الفعلية في سورية عام 2005 إلى 273 نسمة في الكيلومتر المربع وتبلغ الكثافة أشدها في محافظة ريف دمشق حيث تبلغ 3,6 أمثال المعدل الوطني العام، وإذا أضيفت إليها محافظة مدينة دمشق فان الكثافة الفعلية تصل إلى قرابة 6 أمثال المعدل الوطني العام للمناطق المعمورة..
ومن خلال التقرير السياساتي المقدم في التقرير الوطني ظهر أن العناصر الأساسية التي تتألف منها المسألة السكانية في سورية يمكن تشخيصها في ارتفاع معدل النمو السكاني واختلال التوزّع الجغرافي- السكاني، وضعف الخصائص السكانية.
وأوّل مسألة تتعلق بزيادة حجم السكان تقول بأن مقابل كل شخص كان يعيش في سورية بداية القرن العشرين أصبح ثلاثة عشر شخصا عام 2007.
وفي التقرير الاقتصادي الذي أعده الدكتور (مدين علي) بمشاركة مع مجموعة من الاقتصاديين خلص إلى نتائج محرجة للحكومة وملحّة أمام المعنيين باتخاذ قرارات سريعة وتنفيذ خطط لازالت مركونه جانباً.
فيقول التقرير: إذا ماتناولنا مسألة السكان بمنظور العلاقة بين السكان والموادر الاقتصادية المتاحة فان سورية تصنّف عندئذ ضمن مجموعة الدول كثيفة السكان، فقد تنامت العجوزات المالية في الدولة حيث يتجاوز حجم الدين العام 750 مليار ليرة سورية والعجز بالموازنة وصل عام 2009 إلى 226 مليار ليرة سورية وارتفعت معدلات البطالة وانخفضت المقدرات على التشغيل،وتزايد الهجرة الداخلية، وارتفاع عدد الفقراء في سورية حيث وصلت نسبة من يعملون براتب 9000 ليرة سورية وأقل يشكلون حوالي 62% من مجموع العاملين في القطاعات الاقتصادية، وأن 76.5% من الذين راتبهم دون ال5000 ليرة سورية يعملون في القطاع الخاص.
بالإضافة إلى المشكلات البيئية والتي تكلف سورية 800-1000 مليون دولار سنويا، وكل ذلك يتبعه تزايد في حجم الطلبات على منتجات وخدمات قطاعات الصحة والتربية والمياه والنفط، وعلى الاقتصاد السوري أن يؤمن مواردا تكفي وهذا التحدي الأكبر الذي لا بدّ من مواجهته.أي لا مهرب من محاور عديدة على رأسها الحد من تزايد السكان ويتبعه ذلك سلسلة من المطالب تتعلق بالإصلاح الاقتصادي والفساد.
ومن ضمن السيناريو المستقبلي الذي وضعه التقرير حول تنامي عدد السكان في سورية وصول عدد السكان عام 2025 إلى 28.48 مليون نسمة أي بحوالي 500 ألف نسمة سنويا..
المسألة لا تتعلق فقط بسياسة الدولة والتي يجب عليها أن تتبع سياسات جديدة في توزيع مؤسساتها ووزاراتها وجامعاتها في مختلف المحافظات السورية وعلى قدم المساواة، بل تتعلق أيضا بعقلية المجتمع والذي لازال يفضل المدينة على الريف والعاصمة على غيرها من المدن والاقتناع بأن فرص العمل والحياة الأفضل لن تكون إلا بالمدينة والأخص بالعاصمة.
المشكلة خطيرة جدا لن تتسع الصفحات لوصفها وهي قريبة جداً وحلولها ليست مستحيلة ان بدء العمل بها من الآن، وبالتعاون مع جميع الجهات بالإضافة إلى العمل على تغيير الذهنية المجتمعية.
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|