الأستاذة الدكتورة ريم عبد القادر هلال أديبة وشاعرة وروائية وأكاديمية ضريرة، ولدت في اللاذقية عام 1960 واستطاعت رغم الظلمات التي فرضها القدر عليها، أن تشق طريقها في الحياة، وتحصل على شهادات الليسانس 1983، والماجستير 1992، والدكتوراه في اللغة العربية وآدابها 1998، من جامعة تشرين في اللاذقية، وتغدو أستاذة النقد العربي الحديث في الجامعة التي تخرجت فيها.
وكان موضوع أطروحتها في الماجستير «المنهج النقدي عند طه حسين» وفي الدكتوراه «حركة النقد العربي الحديث حول الشعر الجاهلي» شأنها شأن سواها من المبصرين.
لقد اعترض طريقها الكثير من العقبات والمشاق والصعوبات، نظراً لفقدها إحدى أهم الحواس عند الإنسان - ألا وهي البصر- لكنها عوّضت عن هذه الحاسة بنمو حواس أخرى عندها، وبذلك استطاعت أن تشق طريقها الشائكة خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، بتفوق لافت للنظر.
تعترف الدكتورة ريم بأنها لم تتابع دراستها في مدرسة خاصة بالمكفوفين، لعدم توافرها في اللاذقية، بل في مدرسة للمبصرين، وكانت تضطر إلى تقريب الدفاتر والكتب، حتى تكاد تلتصق بعينيها، وهي جالسة قرب نافذة مضاءة بنور الشمس نهاراً، وبالمصباح الكهربائي القوي ليلاً...
وتقول إنها تأخرت في الكتابة وإصدار الكتب لسببين أولهما: هو أنها منذ طفولتها كانت تحلم بأن تحترف الغناء، لامتلاكها صوتاً جميلاً ، وفعلاً اشتركت في عدد من الحفلات الفنية، وصنفت مطربة، بعد نجاحها في مسابقة إذاعية لأصحاب المواهب، وسجلت لها عدة أغنيات في الإذاعة السورية... لكنها عدلت عن احتراف هذه المهنة لتعارضها مع ظروفها وطموحاتها الأدبية.
أما السبب الثاني، فيعود إلى انشغالها بتحقيق تفوقها في الدراسة الجامعية، والحصول على أعلى الشهادات، كي تثبت من خلالها أن المعوّق يمكن أن ينافس الأسوياء، ويسبقهم إذا هو امتلك العزم والإرادة والتصميم... وكان طه حسين قدوتها ومثالها، ولذلك ما إن فرغت من الدراسة، حتى راحت تنشر كتبها تباعاً، فأصدرت ثلاث مجموعات شعرية هي «العرّافة» 1995، و«كل آفاقي لأغنياتك» 1997، و«اسمي والأرض» 2001 ، ورواية واحدة هي «البصر والبصيرة» 2002، عن دار الآداب في بيروت... التي روت فيها سيرتها الذاتية، وحكايتها الشخصية على درب الحياة منذ ولادتها حتى حصولها على الدكتوراه بكل دقائقها وتفاصيلها، وبكل ما انطوت عليه من الآلام التي كان لابد أن تنجم عن وضعها الخاص، والأفراح التي كان لابد أن تنجم عن تحدّيها لهذه الآلام، بما امتلكت من إرادة وإيمان.
لقد كانت غايتها من إصدار سيرة حياتها في مرحلة مبكرة من العمر، هي أن تبيّن لليائسين، المعوقين وغير المعوقين، أن للحياة جانباً مضيئاً وجميلاً، يمكن إدراكه والوصول إليه بحثّ الخطا وعدم الاستسلام إلى اليأس والقنوط.
كانت بداياتها الكتابية في المجال الشعري أولاً، بسبب تدفق المشاعر الفياضة المتقدة المخبأة جيداً تحت رمادها، والكامنة في جذوة صبا محروم من التمتع بصباه، نتيجة للقدر القاسي الذي حتم عليها، فانكفأت على نفسها، تغرف منها، وتبوح بمكنوناتها بوحاً شفافاً مغلفاً بالبساطة والعفوية والإيحاء...
لقد عرفت كيف تصعّد مأساتها وتأملاتها الداخلية، وتعكسها في شعر مرسل يقطر عذوبة، ويرشح نشوة، ويفيض حباً إنسانياً رفيعاً، ويذوب حلاوة... وهل هناك أرقّ وأجمل وأوقع في النفس من قولها لأمها:
كلما تساءلت نجمة
عن الواحة التي كسرت ضياعي
عن اليد التي أدخلتني الدفء
عن الصوت الذي أنبت لغاتي
لم أجد عينيّ إلا وقد هرعتا
لتؤديا طقوس الأرض في ظلك
ومن ندائها البحر الذي كانت تهرب إليه لتودعه جراحاتها ، وتبثه أوجاعها قائلة:
أيها البحر:
إلى هذا الحد أنت دافىء
كي أفر إليك؟
إلى هذا الحد أنت فسيح
كي أودعك جراحاتي ؟
إلى هذا الحد أنت نقي
كي تغسلني من حصار العفونات؟
إلى هذا الحد أنت طاهر
كي تظل باصقاً على الأكاذيب؟...
ليتني أحملك معي
إلى حيث أتمزق...
وتتجلى نزعتها الإنسانية في قصيدتها «أمنيات» التي عبرت فيها عن توقها لتغرس الدفء في كل المنازل، ولتسامر كل طفل محروم من الحب والعطف والحنان، وتعطر كل الليالي لتزهر النجوم، وتبلسم كل الجراح:
ليتني أطرق كل المنازل
لأغرس دفئاً
ليتني أسامر كل طفل
لأنشر حباً
ليتني أعطر كل ليل لأزهر نجمة
ليتني أقرّب كل جرح
لأرقى مسيحاً...
إذا كانت الشاعرة ريم هلال تميل إلى الإبهام، أو تجنح إلى الغموض، أو يستهويها اللبس في الكلمة ودلالتها في بعض القصائد، فلأنها تدعونا إلى التفكير والتأني في قراءة هذه القصائد... فالقارىء الذي يتأمل ثم يفكر- كما يقول الروائي حنا مينه في مقدمة «العرّافة»- سيجد أن وراء هذا الظاهر من اللفظ الشعري، معطى شعرياً آخر بعيد الأمداء والمرامي، عميق المعنى، لايتكشف بسهولة رغم أنه يغري بها...
لكننا نرى أن هذا الغموض والإبهام يشفّان ويبهتان في ديوانها «اسمي والأرض» وتبدو الألفاظ أكثر بساطة، وأقرب إلى الفهم كما في قولها:
أمي إلى الآن نائمة؟!
انهضي.. المروج تعد قهوتها
الشمس ترمي لحافها
انهضي.. أريد حليباً ساخناً
أرجوك حليباً ساخناً
منذ اليوم سأحبه
لأجلك سأحبه...
<<<
كان آخر ما صدر للأديبة ريم هلال كتاب «من مفكرتي» وهو عبارة عن خواطر نثرية وتأملات سطرتها على الورق في ساعات خلوتها ووحدتها وصفاء نفسها، وخلوّها من المشاغل... وهي أشبه بالمذكرات أو اليوميات ، مثل تعبيرها عن فرحتها الكبيرة بصدور روايتها «البصر والبصيرة» حيث تقول: «هل هناك من لحظات أسعد من تلك التي استقبلت بها عملي «البصر والبصيرة»؟ فهو دون سواه الوحيد الذي ضممته إلى صدري، وهو دون سواه الوحيد الذي تعطرت وتجملت له، كيف لا يكون ذلك؟ وقد شكل سيرتي الذاتية التي كتبتني بكل أبعادي ودقائقي، مذ طرقت أبواب هذا الكون، كيف لا يكون ذلك؟ وهو يشكل القصة التي لم أبدعها أنا بنفسي إنما أبدعها الله».
وتتحدث عن الثروات التي يمنحها إياها الله والتي لا تقدر بثمن فتقول:« ما أثمن الثروات التي يهبنا الله إياها! تصور أن أحداً ما فقد واحدة من أصابعه مثلاً، هل يستطيع أن يردها إذا ما بذل في سبيلها أموال الأرض؟!».
وتقول في تعليقها على كتابة هذه الخواطر النثرية: «لقد سررت في الانتقال إلى كتابة الخواطر النثرية كثيراً، لعثوري فيها على ما يمكن أن يحقق تواصلي مع الناس جميعاً، دون تمييز ما بين قادر على استيعاب الشعر وغير قادر. علماً أنني من خلال خواطري هذه حاولت أن أطرق المجالات ذاتها التي طرقتها في الشعر، ذلك لكي أجعل القراء ينفتحون على ما لم يتمكنوا من الانفتاح عليه من خلال الشعر».
المصدر - البعث إرسال الى صديق عــودة
|