لم يمض أشهر قليلة على إصدار الهيئة السورية لشؤون الأسرة التقرير الوطني عن حالة السكان في الجمهورية العربية السورية لعام 2009.
حتى أطلقت وزارة الاعلام الحملة الإعلامية لتنظيم الأسرة وصحة الأمهات بعنوان (ماما بخير... كلنا بخير)، ويمكننا القول بأن ما أوصى به التقرير المذكور من إجراءات تكاد تكون هذه الحملة احداها، والتي لو نفذت لساهمت بالإسراع ليس بالتحكم بالنمو السكاني الذي طالبت به الحملة فقط، بل بتحقيق التنمية المستدامة في سورية.
فمن أهم تلك التوصيات والتي تصب مباشرة في القضية السكانية ما تناول موضوع الزواج المبكر، حيث ركزت على ضرورة استصدار التشريع الذي ينص على رفع سن الزواج للإناث إلى 18 سنة وهذا التشريع اذا ماارتبط بالتطبيق الصارم لقانون التعليم الأساسي, وضمان تمتع الأطفال كافة ذكوراً واناثاً بتعليم أساسي كامل, والحد من ظاهرة التسرب من التعليم وجعل حق الطفل في إكمال مرحلة التعليم الأساسي، وتلقي تعليماً نوعياً حقاً اجتماعياً تعمل الحكومة على تحققه ولا تتركه كشأن عائلي، فانها ساعة تنفيذها، يتحقق تكامل ما بين الوسائل المباشرة (خفض الطلب على الإنجاب و زيادة الطلب على خدمات الصحة الإنجابية ووسائل تنظيم الأسرة الحديثة وغير المباشرة تحسين الخصائص السكانية التي تؤثر في تخفيض الإنجاب مثل محو الأمية والحد من التسرب من التعليم ومن عمالة الأطفال, ومن الزواج المبكر وتشجيع رفع سن الزواج, وتحفيز أكبر عدد ممكن من النساء عبر حوافز ممكنة للنظام التعليمي على إكمال الدراسة الثانوية على الأقل). وهو ما يسمى بلغة التنمية بتهيئة فرص للناس للتعامل بحرية وشجاعة مع العالم من حولهم.
واذا كانت الحملة قد ركزت على صحة الأمهات لدرجة تسميتها بـ (ماما بخير... كلنا بخير)، فلا بد من التركيز على الأمهات الصغيرات واللاتي ينتشرن بكثرة في المحافظات الشرقية، وهنا يمكننا التذكير بأن قانوننا الحالي للأحوال الشخصية يبيح زواج الصغيرات ففي المادة 18 يستطيع المراهق الزواج بعد إكماله الخامسة عشرة و المراهقة بعد إكمال الثالثة عشرة.
وتأتي هذه المادة لتكرس زواج صغيرات السن لأنها تتوافق مع النظرة الى الفتاة بأنها عبء، ففي المسح العنقودي متعدد المؤشرات لعام 2006” الذي نفذ بالتعاون بين المكتب المركزي للإحصاء واليونيسف والمشروع العربي لصحة الأسرة التابع لجامعة الدول العربية تبين أن الآباء يسعون إلى تزويج بناتهن حماية للشرف، كما بين نفس المسح أن نسب انتشار زواج الصغيرات تتفاوت على مستوى المحافظات حيث بلغت أعلاها في محافظة درعا 2.5% و أدناها في محافظة طرطوس 1.1% وتنخفض هذه النسبة كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة وترتفع كلما ارتفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسرة وتتفاوت على مستوى كل من الحضر والريف حيث بلغت في الحضر 4% مقابل 2.7% في الريف، أما بالنسبة للنساء اللواتي تزوجن قبل سن 18 عاماً فقد بلغت نسبتهم 17.7% ونسبة النساء في العمر ما بين 15-19 سنة والمتزوجات حاليا بلغت 9.7%.
وهذه الأرقام تؤكد أن فرصة الاهتمام بصحة الأمهات الصغيرات ومواليدهن تبقى ضعيفة بسبب عدم اكتمال نضوجهن الجسدي والعقلي، ما يجعلهن واطفالهن عرضة لضعف الرعاية والاهتمام الصحي والاجتماعي، وهذا ما بينه المسح الذي ورد في تقرير تحليل الوضع الراهن لتنمية الطفولة المبكرة في سورية الذي أطلق قبل أشهر، ومن مؤشرات عدم الاهتمام أن 95.2% من المواليد قد تم تسجيلهم، وهذا لم يكن يحدث من قبل، حيث تظهر بيانات المجموعة الإحصائية عام 2007 أن هناك111843 من الأطفال ولدوا في أعوام سابقة ولم يسجلوا حتى حلول عام 2006 وتبين من خلال المسح أن 16.6% من الأطفال تحت سن 5 سنوات تركوا برعاية غير كافية خلال الأسبوع السابق للمسح. وهذا دليل على عدم ادراك الأهل لأهمية تحمل مسؤولية مواليدهم ابتداءً من تسجيلهم في السجلات المدنية.
ولايقتصر مساوىء الزواج المبكر على عدم الوعي لتحمل مسؤولية الأطفال، بل يزيد من فرص الإنجاب إذ تظهر الدراسات أن كل ثلاث سنوات تعليمية للفتاة يقابلها انخفاض بمعدل وليد واحد من خصوبتها . كما أن مستوى تعليم الفتاة الأم يؤثر على معدلات وفيات الرضع إذ أن أي سنة تعليمية إضافية للأم ستؤدي إلى نقص في وفيات الرضع بمعدل 1-5% . و بحسب التقرير الوطني للسكان فإن زيادة نسبة الفتيات المتعلمات حتى المرحلة الثانوية بمقدار الضعف في العديد من البلدان الضعيفة و المتوسطة الدخل , يؤدي بعد تثبيت العوامل الأخرى إلى تخفيض معدل الخصوبة من 5.3% إلى 3.9 طفل لكل سيدة, و إلى إنقاص وفيات الرضع من 61% إلى 38% وفاة لكل 1000 ولادة حية. وهوأيضا يزيد من احتمالات وفيات الأمهات لعدم اكتمال البناء الجسدي والنفسي للأم صغيرة السن وهذا ما يجعل سورية في المرتبة 11 بين الدول العربية بعد دول مجموعة الخليج العربي وفلسطين وعمان والسعودية وليبيا، وذلك على مستوى خفض وفيات الأمهات للعام 2006، وفي المرتبة 13 من أصل 20 دولة عربية وفق تقرير منظمة الصحة العالمية، بعد كل من قطر والكويت والسعودية ولبنان والبحرين والأردن والإمارات العربية المتحدة ومصر وعمان وليبيا وتونس والجزائر.
إذ على الرغم من التقدم الذي حققته سورية في مجال خفض وفيات الأمهات إلى 62% من التخفيض الإجمالي المطلوب لبلوغ الهدف الخامس من أهداف التنمية الألفية الوطنية للعام 2015 إلا أن نسب وفيات الأمهات مازالت أكثر من المتوقع في سورية ولاسيما في بعض المحافظات كالرقة و ريف دمشق حيث ينتشر الزواج المبكر.
ان كل ماتقدم يؤكد على فعالية المرأة لخفض الخصوبة وهذا يتحقق بالتعليم والعمل والمشاركة بالحياة العامة بعيدا عن اضطراب الحمل والولادة.
المصدر- جريدة الثورة إرسال الى صديق عــودة
|