العزلة - هرب من نتائج خططه وأحلامه، وآثر أن يدرج فيما نُفِّذ هذا العام ليكون ـ ربما من إنجازاته، مات عصام الزعيم بضيق التنفس وضيق ذات اليد وضيق المكان وضيقنا على اتساعه، مات سريعاً وكفَّناه سريعاً ودفناه، لندفن معه عوراتنا وأسرار موته.
مات الغريب ـ من الغربة والغرابة ـ وماتت معه خصوصية قلما امتلكها غيره، طفولة وعتب وتشكّ، حلم وأمل، ثقافة موسوعية، عناد إلى حدود الكفر، سعي وعمل حتى ما قبل موته بقبلة، وطنية من نوع مختلف لأنها تتكئ على المنطق والتاريخ والحجة.
في مؤتمر مالغا بإسبانيا، انسحب الزعيم من المؤتمر الصناعي الأوربي المتوسطي عام 2002، انسحب لأن إسرائيل مشاركة في المؤتمر، لكن انسحابه كان تالياً لبيان أرَّق الحضور، بيان وزَّعه وقرأه، بيان عرّى الصمت الدولي وجرائم إسرائيل، وأذكر أن الوزراء الأوربيين تعاطفوا رغماً عنهم، بعد أن رأوا من عصام الزعيم ما رأوا، فوزير الصناعة اليوناني نيكوس كونداليس قال: (هذا الوزير فخرٌ لبلده).
لم يبقَ لنا أبا المجد إلا السوالف. في اجتماع في هيئة تخطيط الدولة، وقت كان الزعيم وزيراً، قال عنه مدير عام وزارة الخارجية الإيطالية بديني: (ما أحوج الاتحاد الأوربي إلى مثل هذه الشخصية!).
وقت كان الزعيم يتنقل من طرف إلى طرف، بعلمية ولكل بلغته، تارة إسبانية وتارة إنكليزية، وللفرنسي يكلمه بالفرنسية ليقنع الوفد الأوربي ببرامج المساعدة الأورو متوسطية، وليدحض فكرة الاستقواء على دول حوض المتوسط الجنوبي، (لأن شريك القوي لا بد أن يكون قوياً). بلا أي رصيد رحل، ودونما استئذان غادر، ولم يُبْقِ لنا إلا أسئلة معلقة. إلامَ المفر، بعد أن استقرأ منذ عقدين ما نحن فيه وعليه الآن؟
دفنّاه واقفاً، دفناه كله، بكل ما فيه من إنسانية وحب للبقاء، وما كان يسعى إليه من نضال وتطوير. غاب أبو المجد ونقطة من أول السطر.
ـ أول عام من العزلة حدث في مثل هذا اليوم، أو ربما بعده بحسرة أو بخيبتين. أو قد يكون أكثر، حدث أن قرر عصام الزعيم الانسحاب بعد أن كساه الألم واعتلته الخيبات. لملم إخفاقاته، حزمها وعشرين نوعاً من الأدوية، توجه شمالاً في موسم هجرة لم يَحِنْ، تعذّر بالتنمية في دير الزور ليعلن الهزيمة من على ضفاف الفرات، كما الفراعنة وآلهة الجان.
أرهقه العتب فانزوى، ونال منه التعب فاستكان، أوجعته الخيبات فانحنى، وعضّته الحاجة بامتهان، فأعلن الموت دون أن يقول، ليحمّل وزر موته لمن في مقدوره أن يحتمل. فلو أن كذا لكان كذا، ولو فعلنا معه كذا لكان كذا، لكنَّ (لو) تفتح عمل الشيطان. تضيق البلاد أحياناً بكفاءاتها، ويضيق بالكفاءات الانتظار، فإن يُعِد التاريخ نفسه فتلك مصيبة، وإن لم يعد، فالمصيبة مصيبتان.
أذكر، وإن لم ينفع التذكر بقدر ما يوجع، أني لازمته أعواماً، وأذكر هزائمي المتلاحقة في هاتيك السنين العجاف، هزائمي أمام وطنية من نوع آخر، هزائمي أمام ثقافة تصفع، وهزائمي أمام أخلاقيات كما فعائل القديسين، وهزائمي أمام أحلام تُعيب عليّ خنوعي، وكأن الزعيم يعدّ ليعيش أبداً، إذ ليس من خصائله ترك الحصان.
في مثل هذا اليوم، أو قد يكون بعده بصفعة، دفنَّا ضميرنا في حلب وعدنا دون عصام الزعيم، عدنا دونما عزاء، وإن كل من عليها فان. عدنا ننفض بقاياه من ذواكرنا ما استطعنا، ننفض وصاياه الثقيلة عن أنفس خرّت أو خارت لتعيش، وإن في كلنا، أو بعضنا أملاً بأن عصام الزعيم لا.. لا يموت الإنسان.
في أولى سنوات الضياع وأول عام من العزلة، ليس في مقدوري أن أقول وإن بانت ملامح نظريات عصام الزعيم بالظهور، نظرياته حول استحالة إخراج وردة بيضاء من كيس الفحم، ونظرياته حول تصدع الرأسمالية من أجل الرأسمالية، ونظرياته حول.. لكل شيء إذا ما تم نقصان.
ليس في مقدوري أن أقول، وإن قلت فقد أشفي غليلي، يا ويلتي لن أقول إلا..
عليك الرحمة أبا المجد، وعلينا الالتزام ما استطعنا إليه احتمالاً.. ولأن الأشجار تموت واقفة.. فها أنذا إلى ذكراك أنحني!
ـ ثاني عام من العزلة ...فترت همتي أبا المجد، وقد لا أصمد إلى (مئة عام من العزلة)، ألهتني عن وصاياك الدنيا، وأبعدتني عن أفكارك التحولات، قد يكون ذلك لأني إنسان مجبول على النسيان أو لعلي - كما أبناء جيلي - قليل وفاء ووصولي ويشغلني من أراه عمن لا أراه وأدعي صداقة من ينفعني وأتقرب إلى من يسرع في أجلي.
في مثل هذا اليوم، زائد ناقص صفعة.. قبلة أوحسرة، آثرتَ الرحيل كي تهرب من عام جديد يضاف إلى سجل خيباتك وفشلك، لأن الواقع والمصالح أقوى من نبلك وأفكارك ونظرياتك، رحلتَ لتخفف من العوز وتهرب من الحاجة وتتوارى ومشروعك تحت التراب.. إلى الأبد.
لا أدعي أني (كنت أُوثر أن تقول رثائي)، لكني طمحت إلى مزيد من الدروس والأخلاق، دروس في الإصرار وإسلام الخد الأيسر للصفع بعد الأيمن، دروس عن الاقتصاد والمجتمع والأنساب... ودروس عن حب الوطن بالطريقة العملية التي مارستها أنت، ودروس عن زيادة الرصيد بعد أن لمست عالميتك وما لك في دواخل الجميع ، على اختلافهم وخلافهم.
سأسألك وأرجو أن تجيب كما كنت دوماً تجيب: ماذا ستفعل، وماذا ستقول إن عدت الآن.
لمن ولما حدث بعد عامين من العزلة؟
كيف سترد على تبديد مكتبتك التي كانت تحرضني حتى على السرقة؟
ماذا ستقول لمن تاجر باسمك وبعض بقاياك وذكرياتك؟
وماذا يمكن أن تفعل، وأنت المغرد خارج سرب التحول، بعد أن لبسنا ثوب اقتصاد السوق مقلوباً؟
أسألك وتجيبني دون رمي من بعيد ودون خلط العام بالخاص ودون استحضار الماضي وتجارب الآخرين، أسألك دون أن تنظر إليَّ باستغراب أو استخفاف أو استحقار، أسألك دون أن تطردني من مجلسك الذي أعشق. أسألك أيها الزعيم وعليَّ الأمان: هل أستمر أنا كما كنت أنت، لأدفع أنا ما دفعته أنت، وأموت كما متّ أنت، أم ترى العيب فينا ما دامت الأشجار تبدل ألوانها والأرض تدور؟
المصدر- النور إرسال الى صديق عــودة
|