تمسكنا من أطراف هواجسنا موجات الألوان الملتوية على حواف أجساد لكائنات سوريالية بضجيج حركي يلامس الروح، ممتداً من ضربات ريشة الفنان التشكيلي حسن عبد الله الذي يعرض مختارات قليلة من لوحاته ويقدمها لنا في صالة «فريد هاند – دمشق».
حيث يصرّ عبد الله على فتح جرعات هائلة من مشتقات لونية لعناصر أساسية تبرمج هلوساته بثلاثة جوانب عاطفية حيّة هي: الخريف الذي لا ينتهي.. والبحر الواهم في سفره إلى كل شيء.. والعزلة الداخلية التي تحمل فضاءات ملوثة بالجنون.. ليدخلنا إلى عالم سحري من فُتات الذكريات مركب بانفعالات حادة لأجساد أنثوية تمتلك من الغربة أشد درجات الإدهاش، وتلعب في بنائها على تشكيل انبعاث روحي يحاول أنسنة اللون، و إخضاعه إلى رؤيا دقيقة عن الذات البشرية.
هناك قاسم مشترك موحد بين معظم لوحات المعرض، تحكمه لوثة كبيرة بتجسيد أجزاء من إيماءات لنساء ذات أوجه تنتظر، وأخرى بلا ملامح إطلاقاً ربّما قصدها الفنان قرب بعضها تماماً ليعطي حكمة جنونية بموت التفاصيل رغم نضارة الأجساد، هي كلمات بالعيون تنطق عن مجتمع الشمال الذي ولد فيه الفنان شمال سورية الذي يبدو مؤثراً جداً في الأرضية الأساسية لبناء لوحته.
ثمّة أعمال مختلفة تماماً عن الجو العام لتلك الأجساد المتناثرة بطول أجزاء اللوحة لإطلاقها كقصيدة طويلة عن هواجس غريبة ترتبط بالموسيقا والرقص والجلسات الحميمة مع الأحبة، تلك اللوحات المختلفة حملت في جملتها البصرية كولاجات كبيرة لرسوم ورقية على صفحات من نوع (A4) مثنية بشكل عشوائي تحمل توقيع اللون الأسود يطوي تحته مشتقاته من خطوط دقيقة رسمت بقلم حبر ناشف مجسدةً أوجهاً كبيرة لأجسام ناشفة ونحيلة، وعيون حزينة ذات لمسة أمل ضعيفة لا يدعمها إلا تلك المساحة الصغيرة من البياض القادم من أساس الورقة نفسها،مجمعة على جدارية كبيرة نسبياً في المعرض وذات إشكالية مميزة و مختلفة في طريقة البناء الفني من ناحية، والرؤيا النفسية للأمل الدالة بالدرجة الأولى على حنين كبير للأجساد الطبيعية التي تستحم بالشمس وتشمّ هواء الحياة بكل حريّة.. نعم حرية.. فالحصار التشكيلي الذي جعل الفنان يجمع كل تلك الأجساد الصغيرة الغريبة المخلوطة بانفعالات ذكورية في الظل، ليس إلا تعبيراً حقيقياً عن حجم حرية الخيال التي اعتمدها بأدوات بسيطة وحرفية خاصة.
المكان.. تلك القيمة المادية اللازمة لا يقدمها الفنان هنا إلا عبر التغير الفيزيائي لتلك الأجساد القافزة من كل زاوية ونقطة في اللوحة، التي برغم كل صخبها اللوني تمنحنا هدوءاً وسلاماً وخيطاً رفيعاً من الحزن..
أوجه وأيادٍ.. هكذا إحدى لوحاته كما لو أنها روح من النظرات و تمتد إلى عيوننا وتمسح عنها كل صور الديجتال و الأقمار الصناعية المبتذلة، وتمنحنا كوكباً صغيراً من شلالات لونية من لحم ودم في أمومة انحنائها و عابثة في جملتها.. عابثة حد المرح.. تتركنا نبتسم لكل هذا الحشر الشعري من الألوان الزيتية القائمة على مسودات للوحات كثيرة قضت نحبها إلى مجرد حامل مخفي لثقل هذا الجنون الكاسر من الطاقة الروحية الممتعة، المنتمية في شجرة عائلتها إلى دندنات الكمنجات و عواطف الدوخان التي تصيبنا على بوابة اللحظات الجميلة.. لحظة ما تأمر الروح تلك الفرشاة بتقديم تفسير مشوش للجنون.. تفسير عابث وجميل.. رغم أن اللوحات الفنية عادةً لا تتحرك ولا تأخذ أحداً من يده! لا تقذف بنهم الثلج تفاصيل صغيرة مجردة لكائنات سوريالية لا تنتمي إلى شيء إلا للهوس المبرح باللون واللغة الخاصة لحسن عبد لله في رؤيته القائلة «اللوحة عرض مستمر للعالم المتكرر»!!
عمر الشيخ
المصدر: تشرين إرسال الى صديق عــودة
|