إذا كانت الحياة كلمة فإنها قد بدأت صورة، حملتها جدران كهوف الإنسان البدائي. وتطورت (الكلمة – الصورة)، وتباينت مدلولاتها، حتى انفصلت الكلمة عن الصورة، واستقلت كل منهما عن الأخرى، لتشكل كيانها الخاص، بدأت مع الخط، ثم جاء اللون ليضفي على اللوحة بهاءً...
بهذه الكلمات استقبلت مديرية ثقافة الرقة ضيوف الملتقى الدولي الثاني للفن التشكيلي، الذي يقام برعاية كريمة من السيد أحمد شحادة خليل محافظ الرقة، ويشارك فيه عشرون فناناً تشكيلياً من (سورية، ولبنان، وفلسطين، والجزائر، وفرنسا، واسبانيا، واليابان)، يترافق ذلك بحضور موسيقي من (سورية، وتركيا، وفرنسا، واسبانيا)، ويتبعها جلسات نقدية (سورية، وعراقية، ولبنانية). كما استضافت قلعة جعبر وسط بحيرة الأسد، ورشات العمل الفنية، كي تحلق رؤى الفنانين فوق الماء كطيور النورس، وتعود إلى ما تركه الأجداد من أوابد خالدة، إلى جانب السد والنهر ،فيتمازج الجميع عبر لوحات تشكيلية أخاذة من وحي الفرات ،فتولدت لديهم 40 لوحة فنية هي نتاج الملتقى.
افتتح الملتقى بعد كلمات الترحيب التي ألقاها كل من السيد عبد الرزاق الجاسم أمين فرع الرقة للحزب، وحمود الموسى مدير الثقافة، بإصغاء الحضور إلى حوارية موسيقية مرتجلة للفنان الفرنسي ميشيل توزو على آلة التشيلو رافقه الفنانان (وليم الحسن، ووليد الحسن) على آلة الكمان، وصدحت قيثارة سانتياغو هوبيرريوس، وبزق مظفر أوزدامير، وكمان صهيب نابو ألحاناً شجية، أطلقت لدى الفنانين طيور الإبداع من أقفاصها.
الجلسة النقدية شارك فيها كل من:
الفنان الناقد د. جواد الزيدي (العراق) قرأ بحثاً مطولاً بعنوان (الصوفية في الرسم الحديث) قدم فيه مقاربة نقدية عن الصوفية بوصفها مساراً فكرياً يدعو للتأمل والاستيطان، ويلتقي مع الرسم التجريدي الذي يؤمن بالحياة الباطنية السرية في اللوحة الفنية، لأن كلاهما سيبحث عن حقيقة غائبة غير مرئية، ويجترح السبل للوصول إليها، وإن اختلفت الآليات ،فدعوة التجريدي المتأخرة للعودة إلى الديانات الشرقية لاستلهام شكل جديد في الفن، وهو ما دعا الفنان العربي مثل شاكر حسن آل سعيد وغيره، إلى تلقف هذه المقولة، والعودة إلى طروحات المتصوفة، ورؤية محي الدين بن عربي في الخيال المتصل والمنفصل، والرؤية الغيبية وتشيء الصورة الإلهية المجردة، وإلغاء الذات الإنسانية وانصهارها مع الذات الإلهية المطلقة ،كما فعل الحلاج، وابن سبعين، لكشف الحجب وتمزيقها، لا من أجل عدم الرؤية، أو الفناء، بل من أجل الوصول إلى ما وراء الحجب، وهناك يكمن المطلق والغيبي والمجهول، الذي يبحث عنه، لذلك فالفنان التجريدي هو الآخر باحث عن عالم آخر مجهول يدفعه لأن يدير ظهره للعالم المادي الواقعي، الذي يراه مزيفاً ،ولا يمتلك الحقيقة.
كما قدم الدكتور راتب الغوثاني (سورية) بحثاً بعنوان: (الحداثة وما بعدها في الفن) أشار من خلاله إلى تعريف الحداثة كنوع من التفاعل مع الزمن المعيش والمعاصر، مؤكداً أن لكل شعب حداثته، ولكل فرد حداثته، والحداثة ليست امتلاكاً، وليست استهلاكاً، بل تفاعلاً، وروح الحداثة هي المعرفة والحرية والإبداع والتغيير، والحمقى وحدهم هم الذين لا يقبلون التغيير، كما أشار الغوثاني إلى مصطلح ما بعد الحداثة، معتبراً إياها شيئاً.
الباحث رشيد جلاد (لبنان) قدم بحثاً أشار من خلاله إلى تحول الهدف الفني لدى الفنان، يهدف إلى إظهار معاناة الفنان، بدل من أن يكون إظهاراً لمعاناة الشعب، مما جعله يرسم أشياء غير واضحة للمشاهد .
بعض من آراء المشاركين في الملتقى:
الفنان التشكيلي عبد الحميد فياض (سورية) الملتقى تجربة رائدة ومهمة يجب التأكيد عليها، وأتمنى لها الاستمرار، وهي تزيد في الخبرات والتفاعل مع تجارب الآخرين، وهناك معطيات جديدة بين فناني الشرق والغرب واتفاقهم على مصطلحات اللوحة، وهي دفع باتجاه تعريف المجتمع بأهمية الفن التشكيلي ودوره، في فترة غاب فيها الفن عن ساحة الفعل الاجتماعي، والملتقى بحد ذاته دعوة للتحفيز على كل ما هو إيجابي ونظيف، أنتجت خلال الملتقى لوحتين من وحي الطبيعة لكن بشكل مختلف.
الفنانة التشكيلية سوزان ياسين (سورية ): كانت تجربة الملتقى جميلة، وفيها تبادل تجارب متنوعة، وخصوصا مع الفنانين الأجانب الذين لم نكن نعرفهم من قبل، وكان لاختيار (قلعة جعبر) مكاناً للورشات الفنية انعكاسه الايجابي على نفسية الفنانين، حيث يظهر جمال الطبيعة في عناق القلعة والماء والأشجار، مما جعلني أنتج لوحتين من وحي هذا المكان.
الفنان التشكيلي المكرم المحامي فواز اليونس (الرقة): الملتقى حالة متميزة سبقت بها مدينة الرقة الكثير من المدن السورية لأنها استطاعت أن تستقدم عدداً من فناني القطر، ومن الفنانين الآخرين من مدن وبلدان أخرى مثل فرنسا والعراق واليابان، وهو بمنزلة مؤتمر فني تتلاقح فيه الأفكار والتجارب الفنية المثمرة ويستفيد كل فنان من تجربة الفنان الآخر، لأن كل واحد منهم يحمل في جعبته ذاكرة بصرية متميزة عن الآخر، إضافة إلى توثيق عرى التعارف والصداقة والمودة بين هؤلاء الفنانين لتكون نواة لعالم متحاب ومتعاون بعيدا عن كوارث الحروب ومآسيها.
الفنان التشكيلي محمد الحريري (سورية): الملتقى الدولي الثاني للفن التشكيلي تجربة جميلة في مكان جميل (قلعة جعبر، وبحيرة الأسد)، ما أعطى غنى لونياً، فالسحب وانعكاسها على سطح الماء، والآثار وعلاقتها بالمحيط الأزرق (البحيرة) نقاط هامة في بناء اللوحة، إضافة للتلاقح الثقافي للتجارب الفنية المشاركة من دول عديدة وثقافات مختلفة، وقد أنتجت لوحتين في هذا الملتقى، واحدة واقعية، والثانية حداثية لها علاقة بانطباع المكان، سميتها (ولادة).
الفنان التشكيلي المحامي إبراهيم الموسى (الرقة): الملتقى الذي أقامته مديرية ثقافة الرقة ظاهرة فنية جيدة، نأمل تجديدها كل عام، ليطلع فنانو الرقة والفنانون السوريون على التجارب الفنية العربية والأجنبية، وعلى مستجدات المدارس الفنية المعاصرة.
الرقة
محمود البعلاو
المصدر: تشرين
إرسال الى صديق عــودة
|