إنها «تدمر» درّة الصحراء.. عروس البادية.. مدينة النخيل.. ونستطيع إضافة المزيد من النعوت إليها ليس لأنها تستحقها فقط بل لأن من واجبنا ذلك.. فهي درة سورية والشرق القديم ومركز تجارته العالمية آنذاك. ولأنها كذلك فإنها تستحق الزيارة للاطلاع والمتعة.. والواجب المهني يقتضي منّا ذلك كصحفيين.
من المتحف نبدأ أو من مشهد الغروب في القلعة!! سأختار الأغاني.. وأجواء الفرح والتصفيق والباص يتهادى في الطريق الطويل من طرطوس إلى تدمر وهنا لا بد من الإشارة إلى أن 3 فقط منا زاروا تدمر سابقاً وتعرفوا إليها من أصل 33 شاركوا في الرحلة.. تخيلوا كم هو الطريق إلى معرفة سورية طويل إذاً!!
سورية العظيمة ذات الـ4 آلاف موقع أثري.. والآلاف المؤلفة من المواقع الطبيعية الأخرى التي تستحق.
إنها تدمر.. وها هو المتحف.. بدأت رحلتنا.. ومرافقنا أمين المتحف خليل الحريري استفاض في شرح أهمية تدمر وموقعها ودلالاتها ونحن ننتقل خلفه عبر أقسام المتحف المتعددة.. من الإنسان القديم إلى المومياءات.. تنعقد الألسن والدهشة علت وجوهنا.
ننتقل بعدها إلى المدينة القديمة.. والمعبد الكبير ورواق الأعمدة.. سياح من مختلف الجنسيات يملأون جنبات المكان.. ظاهرة لفتت انتباهي: أطفال صغار يرددون كلمات بلغات متعددة أمام السياح.. أسألهم عن ذلك فأعرف أنهم بالخبرة فقط تعلموا ذلك.. أحدهم أخبرني أنه يستطيع التعامل مع سياح من جميع البلدان الأوروبية فقط بالخبرة والعشرة.. أنسى قليلاً تسربهم من المدارس ودخولهم إلى دائرة العمل ولا أخفي إعجابي بهم.
أتساءل كيف يمكن لنا تطوير معارفهم البسيطة هذه كي يصبحوا إدلاء سياحيين محترفين عوضاً عما يقومون به من بيع الانتيكات الصينية أو الهندية وحتى المصرية وبطرق غير مقبولة أبداً؟
والسؤال الكبير هنا ألا يوجد مشغولات تدمرية.. أين هي؟!! من هنا بداية الهم والجواب ليس قريباً. مرافقنا اللطيف إلى المدينة الأثرية السيد جمال أضاف غصّة أخرى ليس أقل قساوة.. أخبرنا أن إحدى السائحات تقدمت بشكوى لدائرة السياحة أمس لخّصت فيها عمق المشكلة.. تحدثت عن الإهمال وغياب الحراسة والطريق المنفذ حديثاً من مدخل المدينة القديمة إلى داخل الحرم الأثري وسوء تنفيذه إلى ظاهرة الموتوسيكلات التي تعبر المكان بضجيجها المرتفع الذي يملأ الفضاء ويقطع حديث الدليل السياحي أكثر من مرّة ما يعرقل التواصل بينه وبين السياح.. لم تنته الشكوى هنا.. بل اختتمتها بالحديث عن حال النظافة المتردية في المنطقة الأثرية.
وعن العادات السيئة للزوار الذين يتركون مخلفاتهم ويرحلون.. هكذا بلا تأنيب ضمير!! وكأنهم لم يفعلوا شيئاً.. تخيلوا الشكوى من سائحة قد تكون ألمانية أو فرنسية.. أو من أي بلد أوروبي آخر.
اقترب موعد اللقاء مع مدير الهيئة السورية لتنمية البادية.. وهنا أيضاً لا يخلو الأمر من غصّة.. فمدينة النخيل تخسر نخيلها.. والفلاحون يقطعونها ليزرعوا أشجار الزيتون- على حد تعبيره- والمدينة الجديدة شوارعها بلا نخيل في حين تحفل شوارع طرطوس بهذه الشجرة.
إضافة لما فعله الجفاف بالمنطقة والاستهلاك الجائر لمواردها.. الأمر الذي حدا بالدولة لإقامة المحميات الطبيعية واستيلاد الغزلان والنعام.. وغيرها.. والتي قمنا بزيارة أحدها (التليلة) والاطلاع والتجول فيها.
قاربت رحلتنا على الانتهاء وغربت شمس النهار الذي تزامن مع زيارتنا للقلعة التي تشرف على المدينة.. وتطل على البعيد تتشاطر الأرض مع السياح الأجانب والعرب وأعيننا ملتصقة بالشمس وهي تغرب وراء الأفق وكأن أصوات الفرسان وحمحمات الخيول تعبق في المكان.. الأمر الذي يجعل من هذا الغروب استثنائياً ساحراً يأخذ الألباب.
في طريق العودة لم يخف أحد من زملائنا إعجابه وبما رأى بما سمع.. نستعرض الأماكن الجديدة للزيارة القادمة في بلدنا العظيم كي تكمل لجنة الصحفيين بطرطوس ما بدأته في اللاذقية والرقة سابقاً والآن في تدمر.. بالتعاون مع وزارة السياحة (الشركة السورية للسياحة).. فإلى اللقاء في رحلة قادمة.
محمد حسين
المصدر: الوطن السورية
إرسال الى صديق عــودة
|