ما أن تدخل ربوع حمص حتى يختلف عليك المكان والزمان فهاهي بأهلها ورائحتها ولونها تعطيك انطباعا خاصا يؤكد لك اختلافها، ولأنك مسبقا تتوقع الجنون ستلمس ذلك فوراً، فذات مرة قرر وفد من لبنان الدخول على مدينة حمص فاتفقوا أن يخرجوا أيديهم من الباص وهم يصطنعون التجديف ليروا مالذي سيفعله الحماصنه، وما أن باشروا بخطتهم حتى رأوا أهل حمص يمتطون الباص ويقفزون منه كأنهم يقفزون من السفينة،فانقلب السحر على الساحر ورجع اللبنانيون خائبون."نكته حمصية".
لا أحد يستطيع التغلب على دهاء الحماصنة وذكائهم المتميز الذي أنقذهم مرات عديدة من مصائب، أما عن أسباب التسمية فلا اتفاق عليها وسنذكر منها..
صلاة الأربعاء:
منذ حوالي 600 عام هجري عندما أتى عامل معاوية عمرو بن العاص حاكم سورية وبلاد الشام في تلك الفترة إلى حمص، بقصد تسيير الجنود إلى صفين مستحثاً أهلها في الإسراع إلى ساحة المعركة (التي كان يخوضها ضد البيزنطيين)، صادف ذلك أن كان يوم أربعاء، فقال أحد الحمصيين باسم الجميع بقصد تأجيل المسير يوماً أو يومين ( بإذن الله ننطلق معكم على بركة الله بعد صلاة الجمعة فنحن نحب هذه الصلاة وليس لنا رغبة في أن تفوتنا ) فأجابهم عمرو فوراً وهو أحد الدهاة الخمسة أيضاً : "نقيمها لكم اليوم الأربعاء بدلاً من الجمعة ، فأين الضرر في ذلك؟"، فوافق الحمصيون بل واستحسنوا الأمر وأقاموا صلاة الجمعة يوم الأربعاء، فقيل عندها عن الحمصيين بأنهم يعيدون في يوم الأربعاء .
عبادات قديمة:
يقول الصحافي جورج كدر أن للنكتة الحمصية جذور موغلة في القدم، تصل إلى "عيد المجانين" الذي كان موجوداً في العبادات القديمة واندثر، بحسب ما يستعرضه الكتاب. كما أن المؤلف يجد أن لذلك صلات بعبادة اله الشمس في القرن الثالث الميلادي والتي كانت تتم في حمص واتسمت بمظاهر مجون وصخب حتى الهذيان، وهو ما حمل كل من يمر بحمص وقتها على الاعتقاد بأن أهلها مصابون بـ "لوثة جنون".
ويسلط كتاب "النكتة الحمصية" الضوء على روايات شعبية وتاريخية تحكي كيف تفادت حمص غزو تيمورلنك المغولي عبر استقبال أهلها الحافل له، وتظاهرهم بالجنون ليجنبوا المدينة الدمار. وكانت مدن الشام التي دمرها المغول تتندر بهذه الحادثة بالقول "جدبها أهل حمص على تيمورلنك يوم الأربعاء فعفا عنهم"، ليبقى من لك مع مرور الزمن فقط ما يتعلق بربط "الجدبة" بيوم الأربعاء.
سمعان المتباله:
الباحث التاريخي نهاد سمعان يقول أن هناك قصة أخرى تقول أن أحد الرهبان ويدعى سمعان أشاع في حمص طريقة جدية للتعبد وهي نكران الذات والتهبل وذلك عام 550 ميلادي، وعرف بالقديس سمعان المتباله، أو الجاهل، أو المجذوب في العامية. هذا القديس كان محبوباً لخفة روحه وقدم الكثير من المساعدات للمحتاجين، ويقال أن الله عرّفه على يوم مماته ولكن سره كمصطنع للبله لم يكن يعرفه أحد إلا شماس كنيسة حمص الذي كان يخدمه سراً، وكان الصبية والشبان يجتمعون حوله يضحكون لضحكه ويصفقون لحركاته ويجارونه ركضاً وعدواً ويحملونه على الرقص فيرقصون معه، وعندما كان يلمح مريضاً أو معتوهاً بينهم كان بين الضحك واللعب يلمسه فيشفيه.
وانتشر مبدأ أو طريقة التهابل أو التباله وكان للحمصيين الفخر أن يكون مؤسس هذه المدرسة قد اختار مدينتهم لتنطلق دعوته منها ولتحتفظ تربتها برفاته (يقول المثل من أحب شيئاً أكثر من ذكره، والعكس صحيح من كثر ذكره أصبح محبوباً). ومن الجدير بالذكر وحسب الباحث التاريخي نهاد سمعان أنه قبل قدوم هذا القديس إلى حمص لم يكن ما يشير إلى اتهام أهل حمص باللوثة في عقولهم أو بالحمق.
خاص - الأبجدية الجديدة
إرسال الى صديق عــودة
|