مقدمة:
سأستعرض وإياكم بشكل موجز وعلى جزئين بعض النقاط المتعلقة بدراسة سريعة حول إستشراف مستقبل التعليم عن بعد في سورية. وانتهز هذه المناسبة لأشكر جميع الأساتذة الذين استفدت من مراجعهم المذكورة في نهاية هذا المقال.
مما لا شك فيه أن التنمية العلمية والمعرفية باتت هي المفصل الأهم في عملية تطور الشعوب وتبوء الدولة مكانة محترمة بين دول العالم، ومما لا شك فيه أن دولة مثل سوريا لا تملك سوى الإستثمار بالإنسان من أجل الإنتقال من حالة مجتمع إستهلاكي مليء بالتبعية وعقد النقص والإحباط وعدم الثقة بقابليته للإبتكار والإبداع، إلى مجتمع معرفي يستطيع أن يضيف إلى التاريخ الإنساني مجموعة من القيم المضافة، وأكثر من ذلك فإني أود أن أشدد على أنه لا خلاص ولا إستمرار لسوريا القوية إلا بالتنمية العلمية والمعرفية.
لذلك، بات لا بد للقائمين على رسم السياسات التعليمية من إعادة النظر بالأساليب المتبعة، وإيجاد السبل المناسبة لتنسيق وبناء العلاقة مع باقي الأطراف ذوي العلاقة، بغية إيجاد آلية تسمح بتعليم مستمر يوفر إمكانية وصول أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع السوري إلى المنصات التعليمية المختلفة. فلا بد من إعادة النظر في الرؤى والفلسفات الموجهة لعمل المؤسسات التعليمية وما يرتبط بها من مضامين ومحتويات وآليات تنفيذ لتتجاوب وتتناغم مع روح العصر وجوهره ومعطياته.
وهنا أرى أن المؤسسات التعليمية السورية مدعوة، ضمن ما هي مدعوة إليه، إلى دراسة ما يمكن ان يقدمه التعليم عن بعد من أهداف تضمن تحقيق مساعيها من تعزيز مبادئ العدالة الاجتماعية من خلال إتاحة فرص تعميم التعليم للجميع، وبالتالي توفير القوى البشرية المؤهلة، ذات القدرة على العطاء والإبداع والتميز والإنتاج في عصر معولم تشتد فيه روح المنافسة القائمة على التكتل الاقتصادي واقتصاديات المعرفة والمعلوماتية.
إن التعليم عن بعد ليس هو بالحقيقة مجرد ترجمة مختلفة للكتاب المدرسي، وهو لا يعني فقط تلبية الطلب المتزايد على التعليم، ولا يهدف فقط إلى إتساع البقعة الجغرافية المشمولة بالتعليم، وإنما هو منهج جديد يفسح المجال أمام ثورة في الحقل التعليمي، تصل إرتداداتها إلى كافة النواحي الإجتماعية والإقتصادية. فهذا النمط من التعليم يتيح المجال لتعلم مهارات يتطلبها العصر الحديث، كما أنه ينمي سلوكيات متجددة تحمل في طياتها إمكانيات التعديل والتصحيح والتقييم، بل تزرع روح الإبتكار والإبداع وترسيخ قيم النقد الذاتي .
ومما لا شك فيه أن التطورات المتسارعة على الصعيد التقني وخصوصاً في الإتصالات وتقانات المعلومات سرعت من إمكانية التوجه نحو التعليم عن بعد، لا بل بلورت هيكليات جديدة لهذا التعليم.
ويرى د . عبد العزيز بن عبدالله السنبل ، نائب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أن التعليم عن بعد كفكر وممارسة إنسانية مستحدثة إلى عدد من الأسس والمبادئ التي تشكل مجتمعه فلسفته وتوجهاته، هذه المبادئ والأسس هي ما يلي:
1. مبدأ الإتاحة (ACCESSIBILITY): وهي تعني أن الفرص التعليمية في مستوى التعليم العالي متاحة للجميع بغض النظر عن كافة أشكال المعيقات الزمانية والمكانية والموضوعية.
2. مبدأ المرونة (FLEXIBILITY): وهي تخطي جميع الحواجز التي تنشأ بفعل النظام أو بفعل القائمين عليه. لكن هذه الزاوية أخذت بكثير من الحذر في أكثر برامج التعليم عن بعد المعاصرة.
3. تحكم المتعلم: وتعني أن الطلبة يمكنهم ترتيب موضوعات المنهج المختلفة بحسب ظروفهم وقدراتهم، واختيار أساليب تقويمه كذلك. إلا أن هذه الخاصية تأخذ بتحفظ شديد في معظم برامج التعليم عن بعد المعاصرة.
4. اختيار أنظمة التوصيل (CHOICE OF DELIVERY SYSTEMS): ذلك أنه نظراً لأن المتعلمين لا يتعلمون بنفس الطريقة، فإن اختيارهم الفردي لأنظمة التوصيل العلمي (بالمراسلة، بالحاسوب والبرمجيات، بالهوائيات، باللقاءات…) يعد سمة أساسية لهذا النمط من التعليم.
5. الاعتمادية (ACCREDITATION): وتعني مدى مناسبة البرامج الدراسية ودرجاتها العلمية للأغراض المتوخاة منها مقارنة بغيرها. ومن زاوية أخرى فهي تعني الاعتراف بهذه البرامج وآلياتها وقابلية محتواها للاحتساب في مؤسسات مختلفة .
ولقد ساعد تطور شبكة الإنترنت وتكنولوجيا الحاسبات والإتصالات على ظهور عشرات الجامعات والمعاهد التي تمنح شهادات للدارسين عن طريق التعليم عن بعد باستخدام شبكة الإنترنت في مختلف المجالات الإدارية والاقتصادية والعلمية والهندسية. كما أن كثيراً من الجامعات التقليدية أصبحت تستخدم الإنترنت في التعليم عن بعد للطلبة النظاميين، حيث يمكن لهؤلاء الطلبة استخدام معامل وأجهزة الحاسبات وبرامج التدريس، والتعلم الذاتي بالإضافة إلى الوسائل التقليدية الأخرى. وبعض هذه الجامعات بدأت برامج خاصة للتدريس عن بعد مثل جامعة ولاية أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة أوكسفورد أعرق جامعات بريطانيا. كما تقدم العديد من الشركات الخاصة برامج تدريس تخصصية عن بعد وخاصة في مجالات علوم الحاسب وتكنولوجيا المعلومات. وقد بدأت العديد من المنظمات والهيئات الدولية مثل اليونسكو والبنك الدولي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في دعم مبادرات ومشروعات التعلم عن بعد على المستويات الإقليمية والدولية .
تاريخ التعليم عن بعد:
ومن منظور تاريخي، بدأ التعليم عن بعد كنمط تربوي جديد في القرن الماضي بنظام ما يسمى التعلم أو الدراسة بالمراسلة في العديد من المعاهد التربوية الخاصة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا . أما تجربة التعليم عن بعد واستخدامه في التعلم الجامعي الأكثر تنظيماً، فكانت متمثلة في الجامعة البريطانية المفتوحة التي انطلقت في بداية السبعينات من القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت، تزايد الاهتمام بالتعليم المفتوح والجامعات المفتوحة، الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من الجامعات المفتوحة في كافة القارات لعل أهمها جامعة الهواء في اليابان، وجامعة جنوب إفريقيا، وجامعة كوينزلاند في أستراليا، وجامعات نورث وسترن والعلوم التطبيقية، والجامعة الأوكرانية للعلوم التطبيقية، وجامعة العلوم التطبيقية في كيروف في الاتحاد السوفييتي، وجامعة كوينز في كندا، والجامعة الحرة في إيران، وجامعة كل الناس في فلسطين المحتلة، وجامعة القدس المفتوحة، وجامعة العلامة إقبال في الباكستان، وجامعة التعليم عن بعد في كوستاريكا، وجامعة أبريتا الوطنية في فنزويلا، وجامعة البث المركزي والتلفزيوني في الصين، وجامعة سوكاتاي تماثيرات المفتوحة في تايلاند، والجامعة الشعبية المفتوحة بإسلام أباد، وجامعة تربوكا بإندونيسيا، والجامعة المفتوحة في كوريا والسويد.
وتمنح 30 جامعة من مجموع الـ 45 جامعة في ألمانيا درجات علمية عن بعد، و18 جامعة من الـ 75 جامعة فرنسية بها مراكز للتعلم عن بعد، وفي أمريكا اللاتينية تنتظم الدراسة في جامعتين للتعلم عن بعد هما جامعة (Antioquia) وجامعة (Joveriana). وفي عام 1979، قام 2.2 مليون شخص بالالتحاق بكورسات الجامعة للتعليم عن بعد، وهذا العدد يشكل 40 % من عدد الطلاب الملتحقين بالجامعات في الاتحاد السوفييتي .
وبعض الجامعات المفتوحة توفر أكثر من 300 برنامج دراسي، بعضها برامج نظرية مثل اللغات والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والبعض الآخر برامج عملية مثل العلوم الطبيعية والكيمياء وخواص المواد والهندسة والعمارة والصيدلة. وقد ساعدت التقنية الحديثة على التواصل بين الدارسين والجامعة، كما ساعدت على إيصال المواد العلمية للدارسين وبالإضافة إلى استغلال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الصيفية في التدريب العملي في المصانع والشركات والمعامل. كل ذلك يتم بدون أن يضطر الدارس إلى ترك عمله. وتمنح الجامعات المفتوحة درجات البكالوريس والدبلوم والماجستير، كما تمنح شهادات التدريب المستمر، والقليل منها يمنح شهادة الدكتوراه ويشترط في ذلك أن يكون هناك مشرف لكل دارس .
ولم يكن العالم العربي بمنأى عن مشهد الاهتمام بالتعليم عن بعد، حيث انطلقت هذه الاهتمامات منذ السبعينات، وبقيادة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي بذلت مجهودات وأنشطة متعددة تمخضت عن تبلور أفكار جادة في عدد من الدول العربية لإرساء أنظمة للتعليم المفتوح على هيئة جامعات مفتوحة تارة وعلى هيئة برامج للتعليم عن بعد ملحقة ببعض الجامعات أو ما يطلق عليه اصطلاحاً منحى الأنظمة المزدوجة (Dual Systems Approach) تارة أخرى. وتأثراً بمساعي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي بدأتها منذ عام 1976. قام مكتب التربية العربي لدول الخليج في أواخر الثمانينات بمحاولة جادة لإنشاء جامعة عربية خليجية مفتوحة إلا أن الظروف لم تمكن من انطلاقة هذه الجامعة رغم أن الاحتياجات التي تبرر قيام هذه الجامعة لا زالت ماثلة حتى اليوم .
ولعل أهم تجارب التعليم عن بعد في الوطن العربي، الجامعة المفتوحة في سوريا، والجامعة الإفتراضية السورية، وجامعة القدس المفتوحة، ومركز التعليم المفتوح بجامعة القاهرة، والمعهد العالي للتربية والتكوين المستمر بتونس، وجامعة السودان المفتوحة، والجامعة الجزائرية للتكوين المتواصل، والجامعة المفتوحة في ليبيا، وجامعة آل لوتاه الإلكترونية. وتوجد خطط متقدمة في كل من تونس ولبنان والمغرب ومصر والأردن لإطلاق جامعات مفتوحة، وهناك قرارات رسمية بذلك. هذه التجارب هي نواة التعليم عن بعد في العالم العربي، وهي تجارب رائدة لها ما لها وعليها ما عليها.
وبطبيعة الحال، نمت هذه الجامعات وتطورت نتيجة لاعتبارات ومبررات جغرافية، وسياسية، واجتماعية وثقافية ونفسية يعتبر الحديث حولها من الحديث المكرر ولا يتسع المقام للدخول في تفاصيله. ويمكن القول بأن تجارب التعليم عن بعد في الدول العربية هي تجارب فتية تحتاج إلى المزيد من الدعم ووضعها ضمن الأولويات لتستطيع الإسهام في عملية التنمية. كما أن هذه التجارب مطالبة بتطوير نفسها وبربط برامجها بخطط التنمية والعمل على التعاون والتكامل مع مؤسسات التعليم النظامية وتوظيف التكنولوجيا المتقدمة التي تؤهلها للوصول إلى المتعلمين أينما وجدوا وحيثما رغبوا في التعلم. فالتعليم عن بعد سيكون هو تعليم المستقبل، وهو النظام القادر على مواجهة تغييراته المختلفة لما يتمتع به من مرونة وقدرة على تلك المواجهة .
التحولات العالمية في مجال التعلم عن بعد:
إن العولمة بمفهومها الواسع توفر إطاراً فكرياً محدداً لدراسة هذه التغيرات. فمصطلح العولمة يعد من أكثر المصطلحات تعبيرا عن طبيعة المرحلة التي يعيشها العالم الآن وأدقها دلالة لفهم هذا التحول الحضاري الذي تمر به الإنسانية قاطبة في بداية الألفية الثالثة.
فلقد أدى تسارع الأحداث السياسية والتطورات العلمية والتقانية والاتصالية والثقافية على الصعيد العالمي في السنوات القليلة الماضية إلى جعل هذا المصطلح ـ مصطلح العولمة ـ كلمة مفتاحية لا غنى عنها في مقاربة أي ظاهرة من الظواهر التي تسود العالم، وفي تناولها بالدرس والتحليل. وبذلك عوضت كلياً أو جزئياً كلمات مفتاحية أخرى راجت متعاقبة أو متزامنة في العقود الأخيرة على الصعيد الدولي مثل الحرب الباردة، وصراع الحضارات، وحوار الشمال والجنوب، والنظام العالمي الجديد، وعصر المعلومات، والحداثة.
فالعولمة التي بدأت بتحرير التجارة وإلغاء الحواجز والقيود أمام السلع والخدمات الاقتصادية تمهيدا لإيجاد سوق عالمية، تخترق فيها المنافسة حدود الدول، قد تجاوزت هذا المفهوم الضيق إلى عولمة شاملة لكل مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسة على حد سواء. ولقد صاحب العولمة تزايد وتيرة التقدم العلمي والتقني بمعدلات عالية حتى أن ما انتج من المعلومات الجديدة خلال العقود الثلاثة الماضية أكثر مما أنتج خلال الألوف الخمسة الماضية.
وقد اتسم الربع الأخير من القرن العشرين بالتطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات نتيجة للتقدم المتسارع في علوم الحاسبات وشبكة المعلومات والتكنولوجيا الرقمية (Digital Technology) وسرعة انتشار استخدامات شبكة الإنترنت والبريد الإليكتروني. وأدى تطوير سرعة معالجة البيانات بالحاسب ووسائل حفظ المعلومات والوسائط المتعددة وشبكات الاتصال إلى الدخول بسهولة من قاعدة عمل " كمبيوتر شخصي " إلى منابع المعلومات العظيمة في العالم (اليونسكو، 1997، ص 194). وطالت حدة الاهتمام بهذه التطورات التكنولوجية كافة أصقاع المعمورة وبنسب متفاوتة.
وتعزى ثورة الانفجار المعرفي هذه بشكل كبير إلى الاهتمامات المتزايدة بتكنولوجيا المعلومات وحفظها ومعالجتها، وتزامن مع هذا التطور في تكنولوجيا المعلومات تطور في ميدان تكنولوجيا الاتصالات والبث التلفزيوني والتراسل الإليكتروني، مما أدى إلى قيام ثقافة دولية جديدة أثرت إلى حد بعيد في أساليب معيشة وتفكير المجتمعات المعاصرة رغم اختلافاتها العقدية والثقافية ومستوياتها الاقتصادية (Toffler, 1991). هذه التغييرات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال عجلت في ظهور ما يسمى بمجتمع المعلومات أو ما بعد الحداثة. وأدت هذه التغيرات المذهلة في تقنيات المعلومات والاتصال والمعرفة البشرية إلى إحداث تحولات جذرية في الاقتصاد العالمي.
وتتمثل التحولات الاقتصادية الكبرى اليوم في تنامي نشاط الشركات متعددة الجنسيات، وحرية المبادلات التجارية وإلغاء الحواجز الجمركية والتخلي عن نزعة الحمائية التجارية بمقتضى اتفاقيات "الغات"، وإنشاء منظمة التجارة العالمية وترسيخ إيديولوجيا اقتصاد السوق والاتجاه أكثر فأكثر نحو خصخصة المؤسسات الحكومية الصناعية والخدماتية، وتدخل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في التوجهات المالية والاقتصادية للدول، وتنامي ظاهرة الشراكة فيما بين الدول من جهة، والتكتلات الاقتصادية من جهة أخرى أو فيما بين التكتلات نفسها .
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن أبرز التحولات المرتبطة بالعولمة هو تحول الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد قائم على العلم والمعرفة، والمعلومات، والثقافة، والذكاء البشري، والخدمات أكثر من اعتماده على الصناعات الخفيفة أو الثقيلة أو التحويلية، وبذلك تضاءلت أهمية الاقتصادات التقليدية، واختفت كثير من الوظائف القائمة على الجهد العضلي والقوة الجسمانية والذكاء المحدود، وحل محلها وظائف تكون التقنية أساسها، والمعلومة محورها، والعلم موجهها. هذه التحولات أحدثت هزات كثيرة في مواطن العمل في كثير من أرجاء المعمورة وأحالت كثيراً من القوى العاملة السابقة إلى مقاعد البطالة.
وتشهد المجتمعات الإنسانية اليوم انفجاراُ سكانياً مذهلاً نتيجة لتحسن الظروف الصحية والاقتصادية، والتطور المذهل في ميدان الطب وتقنياته، وارتفاع معدلات طول العمر. فلقد زاد سكان كوكبنا من 2.5 بليون نسمة في عام 1951، إلى 4 بلايين نسمة عام 1976، ويصل عددهم حاليا إلى 6 بلايين نسمة، ويقدر أن طفل اليوم سوف يعيش في عالم تعداده 12 بليون نسمة عندما يصل إلى سن الستين . ولهذه الزيادات السكانية التي ستطال جميع أجزاء المعمورة انعكاسات اقتصادية كبرى خاصة فيما يتعلق بتقديم الخدمات التربوية والصحية والأمنية والاجتماعية.
ولا شك أن من أبرز مظاهر التغير التي سوف تتسع وتزداد في القرن الحالي، التغير الذي ينال المؤسسات الاجتماعية على اختلاف أشكالها (كالأسرة والزواج ومؤسسات العمل والمؤسسات النقابية والمهنية) والعلاقات الاجتماعية بالتالي والقيم والأخلاق والإيديولوجيات وسائر أنماط السلوك المادية والمعنوية السائدة في أي مجتمع. ومن هنا فإن الثقافة بوجه عام، بالمعنى الانتروبولوجي الواسع للكلمة، تتعرض أكثر فأكثر لهزات كبرى وهي عرضة للتآكل والانمحاء، لا سيما بعد انتشار ثقافة العولمة، وسيطرة نمط واحد من الثقافات الطاغية، هو النمط السائد لدى الدول المتقدمة، بل لدى أكثرها تقدماً .
وفي إطار التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى، برزت إلى حيز الوجود مفاهيم وصيغ سياسية مستحدثة تختلف تفسيراتها ودلالاتها حسب مصادر الخطاب وتوجهاته. من هذه الصيغ مسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان والأمن الإنساني والمجتمع المدني، والتعايش، والسلم، وثقافة السلام وغيرها من المفاهيم المتداولة في قاموس اليوم. كما شهدت الإنسانية في إطار هذه التحولات إشكاليات جمة تأتي في مقدمتها قضية تلوث البيئة، والفقر، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والعنف، وانتشار المخدرات، والإرهاب الدولي، وزيادة حدة الصراعات المسلحة.
هذه التغيرات التي لامست كل بعد من أبعاد المنظومة الحياتية، جعلت المجتمعات الإنسانية تولي عناية أكبر للمسألة التعليمية وترصد لها موازنات ضخمة وتجعلها في أوائل أولوياتها، بحيث ارتقى الملف التربوي إلى مستوى الملفات الساخنة أكثر بكثير من ذي قبل. ويدل على ذلك بروز الكثير من المبادرات الأمريكية والبريطانية والآسيوية والعربية وغيرها، والداعية إلى تجويد التعليم وتطويره وتحسينه بوصفه القاطرة الأساسية للتطوير والتحديث، والأدوات الأساسية لمواجهة تحديات العولمة .
وفي إطار ما يمكن أن يطلق عليه اصطلاحاً "أزمة التعليم العالمية"، برز التمويل، خاصة في مستويات التعليم العالي، كإشكالية حقيقية تواجه دول العالم في توفير هذا الحق للمواطنين، وبرزت صيغ مختلفة للتغلب على هذه الإشكالية، أولها تطبيق مبدأ الشراكة بين القطاع الخاص والعام والمدني وفق ضوابط وشروط متفق بشأنها مع محافظة الدولة على اعتبارات السيادة. وثاني هذه الصيغ ما طرحه البنك الدولي بخصوص استرداد التكلفة (Cost Recovery) خاصة في ميادين التعليم والصحة، حيث يعتبر خبراء البنك الدولي أنه في إطار الاقتصاد الحر فإن كل سلعة أو خدمة لابد أن يقابلها مدفوعات تعبر عن القيمة الحقيقية للسلعة أو الخدمة. كما اعتبر خبراء البنك، أن كل خدمة تقدمها الحكومة لا يقابلها مدفوعات تغطي تكلفتها هو نوع من الأعباء المكبلة لحركة الاقتصاد وإنفاق لا يقابله موارد، وقد عزوا عجز الموازنات العامة لذلك، واعتبروا أن وجود مثل هذه النفقات العامة يعني وجود جوانب غير نقدية من النشاط الاقتصادي .
وفي ظل التغييرات في النظام العالمي التي تمت بالفعل والتي لا زالت تحدث، فإن تعليم المستقبل سيتخذ مساره في مناخ دولي متغير، تشتد فيه حدة المنافسة في الأسواق العالمية، وتفتح فيه الأبواب على مصراعيها لتدفق السلع والخدمات والمعلومات بين أنحاء العالم، ومن ناحية أخرى تتزايد فيه التكتلات الاقتصادية والعلاقة التي ترتكز إلى إمكانيات جماعية هائلة كوسيلة لدعم القدرات، وإحراز سبق وتقدم على الآخرين . ويسود هذه التغييرات العالمية المتسارعة تطور هائل في مجال الاتصال والانفتاح الإعلامي وربما تتعقد السياسات التصحيحية أو سياسات إعادة الهيكلة التي يمارسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على الدول لإجبارها على التحرك وفق منظومات سياسية واقتصادية وثقافية تمثل نوعا من الهيمنة الحديثة.
في خضم هذه التحولات الكبرى وبالتحديد منذ أوائل السبعينيات، تزايد الاهتمام الدولي بمسألة التعليم المفتوح والتعليم عن بعد، وظهرت العديد من المبادرات الجادة في الميدان. وقادت هذه الحركة الجامعة البريطانية المفتوحة، وبذلك تكون قد مهدت الطريق أمام إنشاء ما لا يقل عن 850 جامعة مفتوحة متواجدة في أكثر من 90 دولة من بينها، كما ورد سابقاً، عدد من الدول العربية. واتجاه التعليم عن بعد اتجاه آخذ في التزايد، واثبت كفاءته وجودته كخيار مكمل للأنظمة التربوية القائمة وليس بالضرورة بديلا عنها. والجدير بالذكر أن كافة الأصوات البارزة المنادية بحتمية مراجعة الأنظمة التربوية وإعادة تشكيلها لتتواءم مع الواقع بدءا بإدجارفور وانتهاء بجاك ديلور، أجمعوا، ضمن ما أجمعوا عليه، على حتمية الأخذ بأساليب التعلم الذاتي، والتعليم المفتوح، والتعليم غير النظامي، ومشاركة المجتمع في التعليم، وحتمية التعليم عن بعد كخيار تفرضه روح العصر ومعطياته.
إذاً، هذه هي أبرز التحولات التي يعيشها عالم اليوم، وسوف تتواصل بشكل أكثر حدة في المستقبل المنظور. هذه التحولات تنبئ بأن المجتمعات الإنسانية تواجه أزمات على أكثر من صعيد وكل أزمة لها طبيعتها ومؤثراتها، وتختلف في حدتها وطبيعتها ونسبتها من مجتمع إلى مجتمع آخر. فبالقدر الذي تستطيع فيه الدولة أن تتجاوب مع معطيات التغيير وتتجاوز هذه الأزمات، بقدر ما تستطيع أن تؤسس لنفسها مكانة وموقعا يليق بها في فضاءات العولمة الجارفة.
ومن المتوقع أن تشهد العقود القادمة طفرة في نظم التعليم وأساليبه وأهدافه. وسوف يكون الاتجاه العالمي نحو التعليم الذاتي، والتعليم عن بعد، والتدريب على رأس العمل، والتعليم التعاوني وإنشاء كليات ومدارس بدون جدران. وكلها تنضوي تحت مفهوم التعليم المفتوح الذي يعد للدارس قدراً كافياً من الحرية في اختيار المكان والزمان للتعليم تحت إشرافه. وسوف يسهم في بلورة هذا الاتجاه ثلاثة أمور هي: ازدياد الوعي بالحاجة إلى التعليم والتدريب المستمرين، وعدم قدرة الجامعات والمعاهد على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب وتوفر التقنية الحديثة خاصة في مجالي البث الفضائي والكمبيوتر .
الجامعة الإفتراضية السورية:
أما بالنسبة للجامعة الإفتراضية التي افتتحها السيد الرئيس بشار الأسد الجامعة الافتراضية السورية في الثاني من شهر أيلول سنة 2002. فهي كانت السباقة إلى اعتماد التعليم الافتراضي في الشرق الأوسط، وهي تهدف إلى توفير تعليم من مستوى عالمي لطلابنا، في بلدهم، يشمل كافة القطاعات المهنية المتوفرة حالياً.
وقد وضعت الجامعة الافتراضية السورية وهي المؤسسة التعليمية العربية الأولى من نوعها، خطة استراتيجية لتفي بالاحتياجات المباشرة، ولبناء أساسات مستقبلية صلبة:
مخطط قصير الأمد:
لقد تم اختيار جامعات عالمية معروفة من الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأوروبا وأستراليا استناداً إلى الاعتراف الرسمي والسمعة الحسنة التي تتمتّع بها تلك الجامعات، وإلى توفر الاختصاصات لديها لكي تصبح شريكة للجامعة الافتراضية السورية. وستزوّد هذه الجامعات بالإضافة إلى المحتوى، مختلف الخدمات التي توفرها لأي طالب من طلابها، إضافة إلى الشهادات المعترف بها عالمياً. أضف إلى ذلك، إن الجامعة الافتراضية السورية تزوّد طلابها محلياً بالدعم على المستوى الأكاديمي والثقافي والإداري والتقني، الذي يتضمن الإرشاد الأكاديمي والتدريس وتوفير المناهج التعليمية، والاستشارة، والتخطيط المهني والخدمات، بالإضافة إلى الدعم المقدم لدى الانتساب وتسديد الرسوم، والمساعدة على المستوى التقني، والاتصال بالإنترنت وغيرها. كما تمنح الجامعة الافتراضية السورية شهادة أخرى معتمدة بشكل كامل من قبل وزارة التعليم العالي السورية.
استراتيجية بعيدة المدى:
شهادات الجامعة الافتراضية السورية، حيث يترتب على الجامعة الافتراضية السورية أن تقوم بتصميم برامج كاملة، وإدارتها بالتعاون مع جامعات سورية وعربية وعالمية شريكة لها، تتبع معايير دولية، مثلها مثل الشهادات التي توفرها الجامعات الشريكة، إنما بتكاليف قليلة. وسيتم تعليم معظم هذه البرامج باللغة العربية. وسيحصل الطلاب في نهاية دراستهم، على شهادة من الجامعة الافتراضية السورية، معتمدة بشكل كامل من قبل وزارة التعليم العالي السورية.
في العدد القادم سأعرض وإياكم لثلاث مشاهد لمستقبل التعليم عن بعد في سورية...
المراجع:
"التعليم عن بعد" – محمد مصطفى القباج، 2001 – ص 37.
دراسة حول "استشـراف مستقبـل التعليـم عـن بعـد فـي المملكـة العربيـة السعوديـة"
الخطيب، محمد شحات : دراسة خلفية عن التعليم عن بعد وتطوراته والوضع الراهن له في المساحة الدولية. الندوة الدولية للتعليم عن بعد، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1998، ص 5 – 6.
هاشم، شريف رضا : مقومات البنية المؤسسية لإرساء قواعد التعليم عن بعد في الوطن العربي. الندوة الدولية للتعليم عن بعد. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1998. ص 20 – 21.
ويكيبيديا: التعلم عن بعد.
الخطيب، محمد شحات : دراسة خلفية عن التعليم عن بعد وتطوراته والوضع الراهن له في المساحة الدولية. الندوة الدولية للتعليم عن بعد، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1998، ص 27.
السباعي، زهير أحمد : التعليم المفتوح اتجاه عالمي. الندوة الدولية للتعليم عن بعد، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1998. ص 3.
السنبل، عبد العزيز بن عبد الله: التربية والتعليم في الوطن العربي على مشارف القرن الحادي والعشرين. المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية 2002، ص 65-68.
الصايدي، يحي عبد الوهاب : التعليم عن بعد نظام تعليمي جديد لعالم متغير. المشروع العربي الموحد للتعليم عن بعد، الندوات القطرية حول التعليم عن بعد. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 2001. ص 26.
Miller, Morris : Globalization : Structural Adjustment on a planetary scale. Future Research, Quarterly, 11:3 fall, 1995.
عبد الجواد، نور الدين محمد : التعليم عن بعد تجديد للتعليم المدرسي. مجلة تعليم الجماهير، العدد 27.
عبد الدائم، عبد الله : دور التربية والثقافة في بناء حضارة إنسانية جديدة. الثقافة العربية الإسلامية بين صدام الثقافات وتفاعلها. دار الطليعة ـ بيروت 1998 - ص 105 – 106.
Dirr, J. Peter : Evaluation of Distance Education. Evaluation of Teaching and Learning at a Distance, vol. 1, Madison, USA, 1987.
Rowntree, Derek : Exploring Open and Distance Learning. London, Kogan page, 1992.
نوفل، محمد نعمان : تصميم نموذج كمي لكيفية احتساب العلاقة بين التخطيط للتعليم العالي واحتياجات الخطط الاقتصادية وأسواق العمل. اجتماع مسئولي التعليم العالي في البلاد العربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. تونس 1998.
زيتون، محيا : مستقبل التعليم في الوطن العربي في ظل استراتيجية إعادة الهيكلة الرأسمالية. مجلة التربية العربية، العدد السابع عشر، 1997. ص 75 – 76.
السباعي، زهير أحمد : التعليم المفتوح اتجاه عالمي. الندوة الدولية للتعليم عن بعد، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1998.،
الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|