يعدّ يوسف العظمة (1884 - 1920 م)، وزير الحربية، الوحيد في العصر الحديث الذي يستشهد على رأس قواته دفاعاً عن وطنه، وذلك في معركة ميسلون التاريخية، تلك المعركة التي وصفها الصديق الباحث الموسوعي برهان بخاري بأنّها «معركة خاسرة عسكرياً، ورابحة تاريخياً»، حيث أسست لشعلة النضال ضدّ الانتداب الفرنسي، الذي استمر طوال أكثر من ربع قرن، وانتهى بالجلاء التام للقوات الأجنبية عن سورية، في 17 نيسان 1945، ولعلّ الدليل الحي على تأثير معركة ميسلون في النضال التحرري السوري هو النقش الذي ما زال موجوداً حتى اليوم على مدخل مبنى كلية الحقوق العريقة في جامعة دمشق (الجامعة السورية سابقاً): «ثأر موقعة ميسلون ذكرى دخول القوات العربية، دمشق 24 تموز 1945».
ولد يوسف بن إبراهيم بن عبد الرحمن العظمة في حي الشاغور في دمشق يوم 9/4/1884 لأسرة دمشقية عريقة، تلقّى تعليمه الابتدائي والإعدادي العسكري في دمشق، وأتمّه في اسطنبول، وتخرّج عام 1901 ضابطاً في سلاح الفرسان، ليكمل بعدها دراسته الحربية العالية، ويصبح برتبة ملازم أول عام 1905، ومدرسة أركان حرب ليحصل على رتبة نقيب، بالإضافة إلى وسام المعارف الذهبي لتفوّقه عام 1907.خدم في لواء الفرسان في اسطنبول، ونقل بعدها إلى فوج القناصة في بيروت، وفي عام 1908م استدعي إلى اسطنبول، وعيّن مدرباً مساعداً لمادّة التعبئة في مدرسة أركان حرب، ونقل عام 1909م ليكون مع الجيش العثماني المرابط في منطقة الرومللي (القسم الأوربي من تركيا)، وأرسل بعدها في بعثة عسكرية إلى ألمانيا، حيث التحق بمدرسة أركان الحرب العليا لمدّة سنتين، ثم عاد إلى اسطنبول ليعيّن ملحقاً عسكرياً في المفوضيّة العثمانية العليا في القاهرة.
خدم في حروب البلقان 1911-1913، وفي الحرب العالمية الأولى 1914-1918 كان رئيساً لأركان حرب الفرقة الخامسة والعشرين العاملة في بلغاريا، وشارك مع القوات الألمانية في ميادين النمسا ومكدونيا ورومانيا، ثم عاد إلى اسطنبول، حيث اختاره وزير الحربية العثمانية أنور باشا مساعداً له، وتنقّل معه لتفقد الجيوش في الأناضول وسورية والعراق، وعيِّن رئيساً لأركان حرب القوات المرابطة في القفقاس، وفي نهاية الحرب عمل رئيساً لأركان حرب الفيلق العثماني الأول، الذي دافع عن الدردنيل حتى نهاية الحرب، وقد نال يوسف العظمة خلال دراسته وخدمته في الجيش العثماني عدّة أوسمة وميداليات، وأعد برامج لتدريب المجندين، وترجم مرجعاً عسكرياً من اللغة الألمانية حول هذا الموضوع، وتوجد نسخة منه في مكتبة المتحف الحربي في اسطنبول.
بعد عقد الهدنة ونهاية الحرب رفض يوسف العظمة الانضمام إلى القوات الكمالية، واستقال من الجيش العثماني ليلتحق بالحكومة العربية في دمشق برئاسة الأمير فيصل الذي اختاره مساعداً عسكرياً له، وعيّنه بعدها معتمداً عربياً في بيروت، التي كانت تحت السيطرة الفرنسية، وكان له نشاط بارز في الدعوة القومية، ممّا حدا بالسلطات الفرنسية إلى المطالبة بسحبه، انضمّ، بعد ترقيته إلى رتبة عميد، إلى حكومة الأمير زيد بن الحسين في 26/1/1920، حيث تولى منصب رئيس أركان الجيش العربي، وبعد صدور قرارات مؤتمر سان ريمو بخصوص فرض الانتداب الفرنسي على سورية تمّ تشكيل حكومة دفاع وطني برئاسة هاشم الأتاسي في 13/5/1920، وأصبح العظمة وزيراً للحربية فيها.
كان العظمة من أشدّ المدافعين عن فكرة مقاومة الانتداب بالوسائل المسلحة، وكان يدرك الفرق الشاسع بين إمكانات الجيش الفرنسي، الذي خرج منتصراً من الحرب العالمية الأولى، والإمكانات المتواضعة للجيش العربي المشكل حديثاً، لكن فضل المقاومة على الاستسلام للشروط الفرنسية، وكان الوحيد في الحكومة الذي رفض الانصياع إلى إنذار الجنرال غورو يوم 14/7/1920.
وبقي يوسف العظمة وفياً لمبدأ المقاومة، فلمّا علم بتقدّم القوات الفرنسية إلى دمشق قاد الوحدات المتفرّقة والمبعثرة من الجيش العربي الذي حلّته الحكومة استجابة لإنذار غورو ومن انضمّ إليها من المتطوعين المدنيين، وخاض معركته الأخيرة في ميسلون، حيث استشهد برشقات من إحدى الدبابات الفرنسية في الساعة العاشرة والنصف صباحاًً يوم 24/7/1920.
وكانت كلماته الأخيرة قبيل ذهابه إلى القتال: «إني أعرف ما يجب عليّ، وسأقوم بواجبي، ولست آسفاً على نفسي، بل أسفي على الأمة التي ستظلّ سنوات كثيرة أو قليلة هدفاًً لكل أنواع المحن والمصائب، وإني مطمئنّ إلى مستقبل الأمة، لما رأيته وخبرته بنفسي من قوة الحياة الكامنة فيها، وواثق من عطف أصدقائي على طفلتي (ليلى)، فسأذهب مستريح البال مطمئنّ القلب في طريق الواجب المفروض علي».
وقد قال الجنرال غوابيه، القائد الفرنسي في معركة ميسلون: «إنّ العظمة خصم لا يستهان به، عرف كيف يختار مكان دفاعه، وحصّنه أحسن تحصين».
ونختم بأبيات الشاعر المصري «علي محمود طه» على لسان الشهيد البطل يوسف العظمة:
أمّاه خانتني المقادر فاغفري قَدَري وإن قلَّ الفداء فسامحي
قم لحظة وانظر دمشق وقل لها عاد الكميُّ مع النفير الصادحِ
ودعاك يا بنت العروبة فانهضي واستقبلي الفجر الجديد وصافحي
مازن يوسف الصباغ
صحيفة بلدنا
إرسال الى صديق عــودة
|