ينتابني الألم والغضب والحزن كلما تيقنت بأن الشام لم تعد عبق الياسمين والفل والنرجس، ولم تعد أرصفتها مدرجاتٌ للعاشقين، لم تعد أبداً كما أودعها يوماً نزار في قصائده.
أقلِّب صفحات ديوان دمشق وأتطلع من نافذتي علّني أجد شيئاً مما كتب أتنفس بعمق لألتقط شيئاً من عبق الياسمين والليمون ورائحة الفيجة، وإذ بي أسعل وأعطس وأنا استنشق المازوت والتلوث قد تعشق بدمي ليصبح أسوداً كلون الهواء والتراب والماء.
لم تعد الشام يا نزار حارات نظيفة ولم يعد سكانها يغسلون حاراتهم بالغار ويزينوها بأوراقه انظر إليها الآن، انظر إلينا الآن وقد أصبحنا جزءاً من التلوث، تعال إلى شارع الثورة في وسط مدينة دمشق، لترى التلوث بأنواعه، اسمع الصخب من أشرطة البائعين وأصوات الناس الهاجمين نحو السرافيس ولا تقارنها بأصوات الكناري والبلابل ومواء القطط، انظر إلى هؤلاء الذين يركبون السيارات الفاخرة والملمعة وهم يرمون من النافذة بقاياهم ولا تقارنهم بعامل النظافة ذو المقشة الخشنة والثوب الأزرق الذي كان يدور في شوارعنا، انتبه وأنت تسير بين من أحببتهم يوماً من أن يصلك بعضاً من رذاذ سعالهم وهم لا يضعون قطعةً قماشيةً على وجههم، لا تنسى وأنت تسير بين الطرقات والحارات وفي الشوارع أن تضع كمامةً على أنفك فانك لن تشمّ الياسمين ولا صابون الغار فقد حلّ مكانه الشحم والمازت ورائحة التبوّل!!!
نضيفة متل الفل، عندما علمت بالحملة لم أتوانى عن المشاركة فيها، وقلت لنفسي هل ستعود الشام نظيفةً؟ لا تزال صورة المكنسة في يدي عندما كنا صغاراً وكنا نتعاون مع بعضنا لنظافة حارتنا؟ لاتزال صورة المعلمة عندما كانت تنبهنا إن خطر ببالنا أن نرمي شيئا في الطريق..
هل ستعودين يا شام؟ هل ستتدرّج يانزار يوماً بين طرقات الشام وتتنفّس بعمقك لتلتقي مع ياسمين داركم وتمسّد على ظهر القطط النظيفة وتشرب من ماء بردى بعد أن تطرب لسماع خرير مياهه..
هل ستعودين ياشام كما القصائد والحلم..
لعلنا في هذه الحملة نرفع صوتنا من "الأبجدية الجديدة" لنقول ليس بمستحيل على شعب استطاع اختراع الأبجدية أن يعود بمدينته إلى يومها الذي خلدها في القصائد، إلى شوارعها ورائحتها وصوتها.
المحبة لبلدنا هي الوسيلة الوحيدة.. فهل نحبك ياشام كما تستحقين؟؟
رهادة عبدوش
خاص - موقع الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|