في بادرة لافتة أصدر الكاتب والمخرج المسرحي المعروف فرحان بلبل كتاباً نقدياً جديداً لا علاقة له بالمسرح من قريب أو بعيد وإنما جاء هذه المرة في مجال نقد الشعر حيث يدرس (بلبل) اتجاهات الشعر العربي الحديث في المرحلة الواقعة بين هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967 وحرب تشرين التحريرية (أكتوبر) 1973. (*) ولعل الدهشة تزول حين نعلم أن بدايات المسرحي المعروف كانت في ميدان الشعر، وهذا يعني أنه ليس متعدياً على هذا الفن الجميل بل ربما كانت خطوته تشكل حنيناً إلى تلك المرحلة التي يزيد عمرها على ثلاثين عاماً حين كان يحمل لقب الشاعر، وربما أيضاً يدل ذلك على تمكنه من نقد الشعر كونه أحد الفنون الأدبية التي تشكل ذائقة هامة عند معظم الأدباء والمهتمين.
إن شعر المرحلة التي يدرسها الأستاذ (بلبل) يلمع كالشهاب في تاريخ الشعر العربي المعاصر، فقد أرسى قواعد الشعر الحديث ووصل به إلى مراتب عالية في البناء الفني من ناحية، واتصف بالامتداد النفسي والفكري والعاطفي بين الشاعر والمتلقي من ناحية ثانية، واهتم به الناس لأول وآخر مرة في تاريخ الشعر الحديث اهتماماً يذكرنا بأمجاد الشعر العربي عبر عصوره المديدة من ناحية ثالثة. ولم يتحقق لشعر هذه المرحلة هذه النواحي الثلاث إلا لأنه أحد من الشعر التقليدي قرب التناول ونبرة التعاطف بين الناس واستكمل عبر هذين المنحيين أدوات الشعر الحديث الطالع من رحم الشعر العربي القديم بحيث أصبح امتداداً رائعاً له فكان بحق صناجة العرب في تلك المرحلة الأليمة من تاريخنا المعاصر.
ولعل مبررات الأستاذ (بلبل) تبدو واضحة حين يعلن أن مبررات شغله النقدي تعود إلى أن شعر هذه المرحلة الملتمع كالشهاب قد انطفأت حوله أضواء الدراسات، وأخذ يغيب عن الذهن والمتابعة كلما أوغلت تلك المرحلة بالبعد الزمني فأوغلنا عن همومها النقدية بهموم جديدة، ولأن النقاد انشغلوا بتجربة الشعر الحديث كله وبالشعر الذي تلا هذه المرحلة، فقد انزاح الاهتمام بالشعر الذي قيل بين الهزيمة والنصر فكان أن أهمل ولم يحظ بالدراسات التي يستحقها فكادت تحدث فجوة في تقويم وتأريخ شعرنا العربي الحديث.
ينقسم الكتاب إلى فصلين يتناول في الأول نشأة الشعر الحديث ومراحل تطوره من القديم إلى الحديث لإعطاء نظرة متكاملة للشعر العربي تتابع استمراره وتجدده ولتبيان الأساس الفني لكل من الشعر القديم والحديث، ويرى (بلبل) أن الشعر الحديث تعلم من الشعر القديم فن الوصف وأساليب الفصاحة وخصائص اللغة العربية، وأدرك أصحابه صعوبة استغناء الشعر الحديث عن القديم وإلا حكم على نفسه بانبتات الجسور وفقدان الشرعية والأصالة.
ويحدد ثلاث مراحل في تطور الشعر الحديث وهي:
1 ـ مرحلة النشأة والمد وتمتد من عام 1947 وحتى عام 1967.
2 ـ مرحلة القوة والاستواء من 1967 وحتى 1973.
3 ـ مرحلة الجزر والانكفاء من عام 1973 وحتى الآن.
وفي المرحلة الأخيرة ارتفع الشعر أشواطاً في بناء القصيدة، ومهر في استخدام اللغة وركب أنواعاً جديدة من الموسيقى وصار يهتم بالجماليات الشعرية، لكن هذا الاكتمال الفني ظل دون مضمون فكاد أن يتحول إلى لعبة شكلية فانفض عنه الناس، ومع نهاية حرب تشرين عاد الشعراء لإثارة قضية الوضوح والغموض، وصاروا يدافعون عن الغموض كما كانوا يفعلون في المرحلة الأولى وعادوا يتحدثون عن الجهل المتفشي في الشعب العربي وعن غلبة الأمية عليه لأن الناس لم يعودوا يستمعون إليهم، وبذلك تحول الشعر من موقع الرائد لقومه إلى كونه أغنية خاصة يغنيها مطرب فقد مستمعيه.
الفصل الثاني خصص لاتجاهات الشعر الحديث الأساسية بين حزيران 1967 وتشرين 1973 حيث قسم النتاج الشعري في هذه المرحلة إلى قسمين رئيسين:
1 ـ الانهيار أمام الأزمة: وينقسم الشعر المنهار أمام الهزيمة إلى أربعة اتجاهات هي: تصوير الهزيمة ومحاولة رفضها، اليأس، الفرار من الوطن المهزوم، الموت في المعارك.
2 ـ التماسك أمام الهزيمة وبرز في اتجاهين: الغضب السياسي وتصوير الهزيمة وتجاوزها.
وتأتي خاتمة الكتاب لتبيان الخصائص العامة للشعر الحديث في تلك المرحلة ومنها أن الشعر الحديث انصب في موضوع واحد هو الهزيمة، وهذا ما جعل اللقاء بين الشعر والناس الذين صعقتهم الهزيمة حاراً، وتبادل الشعراء للمواقف وذلك استجابة لمشاعر النفس التي كانت تضطرب بين اليأس والأمل وترسيخ وجود الشعر الحديث وتوج نبراساً للشعر، وطور الشعراء أشكالهم الفنية محافظين على القواعد الأساسية للشعر الحديث فصار قاموس الشعر اللغوي أبسط وأدق في الدلالة على المعاني واعتمد على مفردات الحياة اليومية وقدمها في صورة شعرية قريبة التناول على الرغم من تفكيكها لعناصر الطبيعة وإعادة تركيبها بطريقة غريبة عما ألفه العرب، ووضع الشعراء قضية الغموض والوضوح في موضعها الصحيح، وترسخ للشعر الحديث لأول مرة استخدامه للرموز والأساطير وجعل منها عروقاً ممتدة في بنية القصيدة يضربها من أولها إلى آخرها في تلاحم بارع دقيق.
ويرى الأستاذ بلبل في الخاتمة أن هذه الخصائص لم تستطع أن تجعل الشعر قوياً مقتدراً ذلك أن الحزن اليائس والمتفائل كان موجهاً إلى موضوع جلل هو الهزيمة فلما زالت بقي الشعر من غير موضوع ضخم فأصبح الحزن اليائس في أغلب الأحيان داخل نفوس الشعراء دون مرتكز اجتماعي يستمد منه قوته وعمقه فانسرب الشعر إلى دهاليز المعاناة الذاتية وحدها فلم تشمخ فيه أكثر مما بدت بناء ملتحم الأطراف، وبهذا الشكل بنى الشعر الحديث لنفسه بعد هذه المرحلة حكاية جديدة تستحق أن تقرأها علينا دراسات جديدة.
نشير أحياناً إلى أن الكتاب تضمن ثبتاً بأسماء الشعراء وقصائدهم وهم حوالي /42/ شاعراً عربياً من مختلف أنحاء الوطن العربي.
* أحزان الشعر العربي الحديث بين 1967 ـ 1973.
ـ المؤلف: فرحان بلبل.
ـ دراسة.
ـ الناشر: دار حوران للطباعة والنشر والتوزيع ـ سورية.
عن جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1154
13-6-2009
إرسال الى صديق عــودة
|