ها هو نيسان مجدداً يحمل معه الخيرات لوطننا الحبيب..
ومع ذكريات عيد الجلاء وما يترافق معها من صور للبطولات الخالدة التي سطرها شعبنا على الصعيدين الفكري والميداني، اسمحوا لي أن أختار من بين عشرات الصور والمواقف، صورة ذلك الرجل العظيم الذي يدعى فارس الخوري والذي استطاع من خلال مواقفه الوطنية والمدعومة بمقاومة وطنية مخلصة على الأرض، أن يفوت الفرصة على المستعمر الفرنسي.
وقف فارس الخوري وقفته الشهيرة في الجامع الاموي، معلناً أمام أهالي دمشق ومنهم إلى كل المواطنين السوريين، رسالته إلى فرنسا، أنه إذا كانت فرنسا تريد البقاء في سوريا لحماية المسيحيين فإن جميع المسيحيين هم مسلمين وجميع المسلمين هم مسيحيين... وأن سوريا بمسلميها ومسيحييها هي وطن واحد لشعب واحد، مفوتاً في ذلك الفرصة أمام فرنسا لأي إدعاء آخر..
عام 1936 سأله ممثل الانتداب الفرنسي بخبث إستعماري لا ينطلي على شخص كفارس الخوري قائلاً: أنت مسيحي ويفترض أن تقف إلى جانب الفرنسيين لا إلى جانب الحركة الوطنية السورية.
فقال لهم: إذا كان الإسلام يعني تحرير سوريا من الاستعمار فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وفي ذات السياق يحضرني موقف فارس الخوري في مقر الأمم المتحدة، حيث كان ممثل سوريا آنذاك في الامم المتحدة حديثة النشأة. حيث دخل فارس الخوري بطربوشه الأحمر وبذته البيضاء الأنيقة.. قبل موعد الاجتماع الذي طلبته سوريا من أجل رفع الانتداب الفرنسي عنها بدقائق واتجه مباشرة الى مقعد المندوب الفرنسي لدى الامم المتحدة، وجلس على الكرسي المخصص لفرنسا.. بدء السفراء بالتوافد إلى مقر الامم المتحدة بدون إخفاء دهشتهم من جلوس 'فارس بيك' المعروف برجاحة عقله وسعة علمه وثقافته في المقعد المخصص للمندوب الفرنسي، تاركاً المقعد المخصص لسوريا فارغاً.
لا شك أن هذا الموقف أثار الذهول لدى الوفود التي دخلت القاعة، وخصوصاً أنهم كانوا يعلمون ان فارس الخوري هو أحد 'مؤسسي' الأمم المتحدة، رغم معارضته الشديدة لصيغة مجلس الامن، وهو يعلم جيداً بروتوكولات المقاعد المخصصة للوفود.
دخل المندوب الفرنسي، ووجد فارس الخوري يحتل مقعد فرنسا في الجلسة.. فتوجه اليه و بدأ يخبره أن هذا المقعد مخصص لفرنسا ولهذا وضع أمامه علم فرنسا، وأشار له إلى مكان وجود مقعد سوريا مستدلاً عليه بعلم سوريا. ولكن فارس الخوري لم يحرك ساكناً، بل بقي ينظر إلى ساعته. دقيقة، إثنتان، خمسة...
استمر المندوب الفرنسي في محاولة 'إفهام' فارس الخوري: يا حبيبي، يا روحي، مونامور، مون شيري... هذا مقعد فرنسا، أما مقعد سوريا فهو هناك... ولكن فارس الخوري استمر بالتحديق إلى ساعته: عشر دقائق، إحد عشرة، اثنا عشرة دقيقة... وبدء صبر المندوب الفرنسي بالنفاذ: يا ... قم يا متخلف... هذا مكان فرنسا الحرة... ولكن فارس الخوري استمر بالتحديق في ساعته، تسع عشرة دقيقة، عشرون، واحد وعشرون.... واهتاج المندوب الفرنسي، ولولا حؤول سفراء الأمم الأخرى بينه وبين عنق فارس الخوري لكان أمسك به...
وعند الدقيقة الخامسة والعشرين، تنحنح فارس الخوري، ووضع ساعته في جيب الجيليه، ووقف بابتسامة عريضة تعلو شفاهه وقال للمندوب الفرنسي: سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة خمس وعشرين دقيقة فكدت تقتلني غضباً وحنقاً، سوريا استحملت سفالة جنودكم خمس وعشرين سنة، وآن لها ان تستقل.
إذاً... إنها سوريا بشخصها المميز... لا تنال من قوتها الاحداث السيئة... لأنها واثقة من شخصيتها ومبادئها. واثقة من إنتمائها الذي حقق الجلاء... وها هي رجالاتها اليوم يستمرون في رسم مواقف البطولة، فهناك من يحاور وهناك من يقاوم... وهذا هو الأسلوب الوحيد الناجع منذ بدء التاريخ وحتى نهاية الزمن. فالحوار دون مقاومة لا يوصل إلى شيء... والمقاومة دون إنفتاح فكري وثقافي وحضاري على دول العالم يوقعنا في مآزق كبيرة.
إنها سوريا إذاً... تعمل بثقة لتستكمل الجلاء... فيرحل المغتصب عن الجولان وفلسطين وتعود الأرض إلى أصحابها رغم أنوف المستسلمين وحائكي السيناريوهات التي اختبرنا منها الكثير.
إنها سوريا التي لا تعرف التمييز بين الأديان والطوائف... فمناسبة طائفة هي مناسبة لكل أبناء الوطن... ورموز فئة هي مقدسات لجميع الفئات الأخرى... إنها ألوان الحضارات التي تغني وتبدع نموذجاً جدير بالإهتمام، وخصوصاً من أولئك الذين يتكلمون اليوم عن لقاء الحضارات.
تحية في عيد الجلاء نرفعها من "الأبجدية الجديدة" إلى قائد الوطن الذي يصون مكانة وعزة سوريا..
للقائد الذي استطاع أن يقود سفينة الوطن في أعاصير المؤامرات التي حيكت على أعلى مستويات ما يسمى بالمجتمع الدولي...
تحية للقائد الذي أحببناه
تحية للدكتور بشار الأسد
وكل عام وأنتم بخير
مالك الحداد
الأبجدية الجديدة
إرسال الى صديق عــودة
|