كثرت الأحاديث عن العنف الواقع على المرأة بأنواعه المختلفة قانوني نفسي اجتماعي، وما إلى ذلك لتظهر الصورة وكأنما العنف يقع على النساء فقط دون الرجال، لكن بتمعن أكبر للمجتمع يظهر لدينا ماهو مسكوت عنه في العنف الذي يعاني منه الرجال وخصوصاً العنف الاجتماعي والنفسي والذي مرده الأساسي هو المجتمع الذكوري، المعنف الأساسي لكلا الجنسين.
وهذا ما تحدث عنه بعض من اعترف بذلك ومن زوايا مختلفة، فالعنف على الرجل يبدأ منذ طفولته وهو بصيغ تختلف عن العنف الواقع على المرأة والطفلة، وعندما يبلغون مرحلة أكبر من العمر يختلف العنف أيضاً لكن كل هذا العنف يصمت عنه الرجل نظراً لأن المجتمع لا يعتبره عنفاً بل على العكس إن أباح الرجل بهذا العنف وتحدّث عنه اعتبروه ضعفاً وهذا أشد ما يخشاه الرجل فيفضّل الكتمان، حول هذا العنف هنالك من تكلم وهنالك من فضّل عدم ذكر اسمه، لكن بالمحصلة هنالك الكثير من الرجال الذين اعترفوا بأنواع مختلفة من العنف تبدأ منذ الطفولة، وهذا ما لم يتنبه إليه المجتمع العربي بعد.
يقول (محمد .ص): لن يشعر بنا أحدٌ كرجال عندما نتكلم عما نعاني منه منذ الطفولة إلى أن نهرم، فأنا طالما كنتُ أكتمُ في سرّي حزني وغيرتي من أخواتي الإناث حين كنّ يجلسن بالبيت في الصيف ونحن وبعمر العاشرة نذهب للعمل في الأرض مع والدي وكنا نعتل الصناديق ونسقي ونجلب الأغراض وكل ما يخص العتالة والركض من مكان إلى آخر لمساعدة أبي بينما أخواتي مع أمي في البيت، وعندما نحتج يصرخ بنا أهلنا "هذا العمل للرجال والبيت هو للنساء" متناسين أن البيت لنا أيضا نحن الذكور الأطفال، لنسأل أنفسنا مراراً وتكراراً حينها لماذا علينا العمل خارج المنزل بينما أخوتنا يجلسن فيه مرتاحين وكأنه لهن فقط؟. هذا ماعدا أني كنت شخصياً أحب اللعب بألعاب مختلفة لكن كان يسمح لي فقط بالبواريد والسيارات كونها للصبيان وفيما عداها ألعاب (بناتيّة) يحظر عليّ الاقتراب منها.
أما (جواد عطية) فقد كان أكثر ما يقهره أنه ممنوع من البكاء منذ طفولته، كان يتمنى أن يبكي دون توبيخ لكن للأسف كلما بكى عوقب لأنه رجل عيب عليه أن يبكي، ويقول:" الآن أحاول أن أربي أولادي تربية مختلفة فلهم الحرية في أن يعبّروا عن فرحهم وحزنهم بالطريقة التي يريدونها لكني أتفاجأ أنهم يأتون من الخارج حاملين معهم الأفكار نفسها التي حاولت ألا تأسرهم انه المجتمع الذي يحصر التعبير عن المشاعر بالنساء وهو عنف قد لا يراه الآخرين لكننا عانينا منه انه مؤلم ذلك الشعور بأنك إن بكيت فأنت لست رجلا".
ويرى (خليل عيسى) أنه يكفي عنفاً للرجل أن عليه أن يؤمّن البيت والعيش الآمن لأسرته وهذه مسؤوليته أولاً مهما قيل من أن المرأة تعمل وتشارك الرجل، المجتمع يسأله هو وليس هي ما عدا أن تأخير الزواج عند الرجال مردّه أولاً لغلاء المهور ولأنه مجبور بتأمين مسكن قبل أن يتزوج وهذا عبءٌ كبير يقع على عاتقه ومسؤولية يكلفه المجتمع بها لوحده.
ويؤكد (سلمان بدور) أنه يرى أن العنف على الرجال الأساسي بأنهم مطالبين بجسد قوي ليكونوا حاملي أثقال، و أنهم يجب أن يتدربوا على الألعاب القتالية وان يكونوا ذو أجسام مؤهلة للقتال في أية لحظة، "حتى عندما كنت طفلا كان يجبر عليّ أن أقاتل بالشارع كي أثبت أني قوي ولست كالنساء، كنت أتمنى أن أكون كأخواتي هنالك من يدافع عنهن ولست أنا بالواجهة دوماً (طبعا هذه مشاعري عندما كنت طفلا)".
أما (مهران.ج) فيؤكد بشدة وجود العنف على الرجل في مجتمعاتنا ويقول: أليست الخدمة الإلزامية هي عنف على الرجل؟ لماذا النساء لا تخدمن بالجيش مثلنا؟ إنها عامين كاملتين من عمرنا ستحذف، ندرس كالفتاة وهي تعمل قبلنا بينما نحن نخدم بالعسكرية، وهذا الكلام من المعيب قوله عند الرجل لكن أليست المرأة كالرجل؟ لماذا لا تطالب بهذه الخدمة ولتكن خدمة إدارية وليست على الجبهة، أو لتكن إسعافات أولية؟، ومن جهة أخرى الاعتناء بالجمال هو للمرأة، وإذا اهتم رجل بمظهره قيل عنه بأنه مؤنث، وإذا أراد رجل أن يعمل بالأعمال المنزلية اعتبروه تابعا لزوجته وإذا أراد أن يلعب مع أطفاله ويهتم بهم كزوجته اعتبروه ليس رجلاً، المجتمع عندنا لا يفهم الفرق بين الرجل والمرأة إلا بالمظاهر، من جهتي أحبذ الطبخ والكوي وأيضاً الاعتناء بنفسي لكن كل هذا لا أتجاسر على البوح به حتى لزوجتي كي لا تعتبرني أني مؤنث، أليس هذا عنفاً مجتمعياً؟
أما المحامي (فادي نصرة) فقد ذكر عدة حوادث تابعها حول رجال عنفوا من زوجاتهم ومن أولادهم لكنهم كانوا يخشون من الفضيحة ومن البوح بهذا الموضوع، فقال: لقد أتاني أحد الأشخاص مرّة إلى مكتبي يريد أن يرفع دعوة ضد زوجته لأنها تضربه، وقد لاحظتُ على هذا الرجل الخجل خلال الحديث معه لكن بالنقاش توضح لي أنه رجل طيب ويمتاز باللطف وبالأخلاق الدمثة، أما زوجته فهي قوية وصاحبة سلطة عليه وعلى البيت، وقد هجمت عليه أكثر من مرة وضربته بأدوات منزلية، وذلك لأنه لم يرضخ لطلباتها بعدم الذهاب إلى أهله، أو بعدم السماح بأقاربه بالقدوم إلى البيت، ومشكلته ليست بأنه لا يستطيع أن يطلقها فهذا موضوع بيده وهو يمكنه أن يطلقها بأي وقت وان يعطيها ما يريد لكنه يصعب عليه أن يفرط بالأسرة التي أراد أن يكونها وهو يحب البيت والأولاد ولا يريد التفريط بكل هذا، بالإضافة إلى أن أسلوب الضرب والمناكفة ليست من طبعه ما جعله ملتزما الصمت لسنوات، لكن الآن لم يعد يتحمل لا يريدها زوجة له، لا يريد أن يستمر بالطريقة التي تتصرف بها زوجته معه بالرغم من أنه حاول تفهمها وعرضها على أخصائي نفسي لكنها أبت وازدادت عنفاً، وكان الحل الأخير أن ينفصل عنها دون طلاق، لأنه لا يريد أن يترك الأطفال في الشارع فهو سيبقى مشرفاً عليهم، أما والدتهم فهي لاتريد الطلاق وكان هذا الحل هو الأنسب.
وأكد المحامي نصرة عن وجود حالات كثيرة عن العنف الواقع على الرجل لكن بما أن الحل دائما بيد الرجل، لن يعتبر عنفاً كالعنف الواقع على المرأة لكنه عنف من نوع آخر لن يبوح به الكثير من الرجال.
ولن يخفى أن بعض دور العجزة توجد فيها رجال ضربوا من قبل أبنائهم الذكور والإناث، وتعرضوا لأنواع من الإهانات والإهمال ليدخلوا ضمن دائرة من العنف هي نفسها الدائرة التي توضع النساء فيها عندما يصلون لمرحلة عمرية تعتبر شيخوخة.
هذه ملامح من العنف التي يتحدث عنها الرجل وتوجد نماذج أخرى كثيرة يذكرونها بحزن وغضب وهي كما جاء في تقرير حالة سكان العالم 2005م والتي تعني بمعظم الذكور بالعالم وخصوصاً البلدان النامية :(( إن الضغوط الاجتماعية ومواثيق الشرف التي ينشأ في ظلها الرجال والفتيان قد تشجعهم على التنافس واللجوء إلى العنف أو الإقدام على مخاطر متعددة لإظهار رجولتهم وقد يجدون صعوبة في الكشف عن مشاعرهم وشواغلهم الحقيقية لأنهم تعلموا إخفاء مخاوفهم وعواطفهم)).
وهذا العنف بدوره يساهم بزيادة الفروقات بين الجنسين ومزيداً من اللامساوة بدءاً من عدم المشاركة بالأعمال المنزلية وانتهاء بموضوع تنظيم الأسرة الذي يزيح دور الرجل ليجعله مرتبطاً فقط بالنساء.وهذه من الأمور تقلل فرص السعادة التي تنبع أصلا من التشاركية، وهي لن تتحقق دون فهم جديد للذكورة والأنوثة ليوضعا ضمن مفهوم واحد هو النوع الاجتماعي والذي يؤكد أن الرجال والنساء يختلفان عن بعضهما اختلافات بيولوجية أما الاختلافات الأخرى هي من صنع المجتمعات وهي التي تكرس اللامساواة وتعرقل النمو الاجتماعي والاقتصادي.
رهادة عبدوش
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|