منذ طفولتها كان لها عالمها الخاص بلا جدران ولا قيود، كان بوسع العالم كله حدوده الكتاب والإذاعة اللتين شغفت بهما فأحبتهما وحلمت أن تكون يوماً جزءاً من هذا العالم الكبير، وعاش معها الحلم وكبرت وكبر الحلم، وبجهدها وموهبتها وبما تعلمته من التجويد في العمل من عمالقة من الإعلاميين في الإذاعة طالما أصغت إليهم وخزنت في ذاكرتها كلماتهم وألفاظهم.
ومع اخلاصها لهذا الحب المعتّق، كان لها ما أرادت، ودخلت هذا العالم من باب الإذاعة حيث بدأت في العمل كمقدمة برامج في إذاعة دمشق أوائل السبعينات، وتابعت مسيرتها إلى أن تقاعدت وهي لاتزال تشغل منصبا في التلفزيون نظراً لخبرتها ودأبها ونشاطها لتعتبر بالفعل سيدة متميزة لها تأثيرها الذي يعرفه كل من يتابع التلفزيون السوري، والإعلام بشكل عام.
إنها السيدة "هالة أتاسي" أول من أسس دائرة خاصة لبرامج الأطفال في التلفزيون السوري والتي حازت خلال مسيرتها الطويلة على العديد من الجوائز والتكريمات، التي استحقتها بجدارة، فكانت ضيفة صفحتنا تضيئها بتجربةٍ هي صفحة من تاريخ الإعلام السوري..
السيدة "هالة أتاسي"بداية مامدى تأثير دراستك الأدب العربي على مسيرتك الإعلامية، وماهو الذي دفعك لدخول هذا العالم الجميل المتعب؟ من خلال دراستي للأدب العربي تذوقت اللغة بقوتها وجزالتها فأحببتها وأخذت بمفرداتها لأضعها ضمن قواميسي اليومية، اللغة العربية ليست فقط ألفاظا وكلمات إنما هي فكر فبتعلمي وحبي لهذه اللغة استطعت أن أصل إلى ما أفكر وأعبر عنه باللغة وبالطريقة المثلى، إنها تدخل في جميع مناحي الحياة لكن في الإعلام لها دور هام وعميق.
أما دخولي لعالم الإعلام لم يكن بسبب دراستي للغة بل قبل ذلك عندما كنت أتابع بشغف يومي برامج الإذاعة السورية والمصرية في السبعينات، وكنت ألتهم الكتب لأنهل من عالمين لا حدود لهما ويلعب الخيال في مساحتهما اللامحدودة وأيضا كان لحبي للسينما دور كبير في تعلقي بالإعلام الذي يتسع لكل ذلك، وكانت بدايتي عندما تقدمت بفحص تجريبي لإذاعة دمشق حيث قدمت تجربة صوتية وإلقاء أمام "عواطف الحفار" وهي من إحدى عمالقة الإذاعة السورية وقد أعجبت جدا بطريقة إلقائي وصوتي ووافقت فورا على عملي في الإذاعة وتحقق بداية حلمي، ورافق عملي دورات تدريبية صقلت موهبتي ودعّمت فيّ الرقي الذي نهلته من أعمدة في الإذاعة "الأمير يحيى الشهابي" و"عادل خياطة" و"عواطف الحفار" وغيرهم ممن جوّدوا في عملهم وفنوا نفسهم لهذا العمل الذي لا يسمح فيه بالخطأ.
كيف جسدت ما تعلمته على مجمل حياتك العملية؟ وما هي أبرز المحطات في حياتك الإعلامية؟ أكثر ماعلق بذاكرتي التفاني في العمل والإخلاص له من قبل أوائل العاملين في الإذاعة والتلفزيون فكان مثلا إعلامي كبير "عادل خياطة" وهو الملك في التلفزيون قبل البدء بالنشرة بفترة والى أن تبدأ الإشارة وهو لايزال يحمل الورقة التي كتبت عليها الأخبار ليقرأها ويعيد قراءتها لأنه يريد التجويد في العمل والإبداع فيه ولا يقبل أبدا بالخطأ ويدرك أهمية وحساسية عمله، هذا المشهد رافقني طوال مسيرة حياتي المهنية والشخصية ووضعته نصب عينيّ المثابرة والتعب لأجل عمل لائق.
وكانت بدايتي في الإذاعة بعمل سياسي أسمه "الحق والقوة" وهو مقارنة بين القوانين العالمية والاتفاقيات وما يجري على أرض الواقع وخصوصا في فلسطين وقد أعددت هذا البرنامج وقدمته تحت إشراف أساتذة كبار، وأهمية العمل أنه يلائم أي زمان فما زالت تلك القضايا قابلة للطرح إلى الآن، وبعد ذلك كانت لي محطات هامة في برامج إذاعية من مثل "دائرة المعارف"، "رحلة على الورق". وغيرها. إلى أن انتقلت إلى العمل لفترة في قسم دراسات الإنتاج في دائرة السينما وترأست تحرير مجلة أسمها "مجلة فيلم" وكانت بشكل تطوعي.
كيف انتقلت إلى عالم التلفزيون وماذا أضاف لك؟ عندما هممت بالعودة إلى الإذاعة جاءني عرض في تسلم البرامج الثقافية في التلفزيون نظرا للخبرة التي اكتسبتها من مجمل عملي وهكذا كانت البداية الثانية والخطوة الهامة في حياتي والتي انتقلت من خلالها إلى العمل في برامج الأطفال حيث أنه قد لفت نظري عدم وجود دائرة خاصة أو قسم متعلق بالأطفال فلم يكن سوى برنامج واحد متخصص بالأطفال وهكذا بدأنا من الصفر وأسست دائرة خاصة ببرامج الأطفال شكلت قفزة نوعية في البرامج المقدمة للأطفال من حيث الرقابة والمصدر وطريقة العرض وكان ذلك أوائل الثمانينات ولا يخفى أننا اصطدمنا بالكثير من المعيقات والإشكاليات لكننا بالإرادة وحب العمل والتفاني فيه قاومنا كل العراقيل وبدأنا بأول عمل خاص وهو برنامج "أنا أرسم وألون".
وأعترف أنه أجمل واهم قرار أخذته بحياتي فقد شكل قفزة نوعية في العمل الإعلامي الخاص بالأطفال وبالنسبة لي وسّع أفق المعرفة لأن عالم الأطفال لا محدود فهو الصحة والتعليم وعلم النفس والاجتماع والتنمية كلها فهو المستقبل الذي نلحقه.
فالتوجه إلى الأطفال أمر صعب وخطير لذلك يجب دراسة أية خطوة قبل تنفيذها.
وخصوصاً متابعة البحوث المتعلقة بكتابة أعمال الأطفال لتقديم البرامج واختيارها وهنا اصطدمت بعقبات كبيرة من البعض كفكرة الحب والموت عند الأطفال فكأنهم كانوا يريدون إبعاد الطفل عن العالم الحقيقي، ولا يخفى أن برامج الأطفال اختلفت من أيام الاشتراكية إلى الآن حيث كان الهدف الثقافة أما الآن أصبح الهدف الربح المادي.
أول تلفزيون تكلم عن اتفاقية حقوق الطفل في العالم العربي فقد تكلمنا عن اتفاقية حقوق الطفل ولم تكن سورية بعد مصدقة عليها فكان ذلك عام 1990وقدمت لقاءات مع أطفال تتساءل هل تعرف أن لك حقوق في الحياة في التعليم في الصحة الخ ..وكانت الأسئلة للكبار والصغار وبدأنا عن طريق بث رسائل تلفزيونية تتكلم عن حقوق الطفل والاتفاقية.
وإحدى المرات قررت اليونيسيف أن يكون السبت الثاني من تشرين الثاني يوم بث خاص بالأطفال وأخذت موافقة لهذا اليوم العالمي واتيح لنا طوال هذا اليوم بث برامج ورسائل تلفزيونية عن حقوق الطفل.
من البرامج الهامة كان برنامج "أطفال وطفولة" والذي قارب مشاكل الأطفال في 2002 كالعمالة والطلاق عند الأهل والتعليم والتسرب والعنف و التوحد والقراءة واللعب لكن تعرضت لإشكالات كوني تكلمت عن عمالة الأطفال وبعض المشاكل التي كانت مخفية لكن بالوثائق والصور الحقيقية دعّمت فكرتي ودافعت عنها.
السيدة هالة لقد نلت ونالت برامجك العديد من الجوائز الهامة هل يمكنك ذكر بعضها؟ لقد نلت العديد من شهادات التقدير وخاصة من اليونيسيف عن أعمال تتعلق بحقوق الطفل وفازت العديد من البرامج التي أعددتها أو أشرفت على إعدادها من مثل فيلم "الأمير النبيل" و فيلم "ارسم حلمي" والذين نالا الجائزة الذهبية في مهرجان القاهرة بالإضافة إلى فيلم "عروس البحيرة" عن سينما الأطفال في مهرجان القاهرة ومهرجان تونس و"الرجل الآلي"،" القفص" "مغامرات صيفية" وغيرهم في مهرجانات متعددة .
والآن بعد التقاعد أين أنت في الإعلام وفي الحياة المجتمعية؟ لم يؤثر التقاعد على عملي الإعلامي فلازلت أقدم العديد من الأبحاث المتعلقة بالإعلام والتنمية وأدرب الإعلاميين في مختلف التلفزيونات، والآن أقدم ومنذ فترة برنامج خمسين بالمئة للشباب وهو يرصد أعمال الشباب والتحديات التي تواجههم وهذا بصوتهم وطريقتهم لأنهم الأجدر والأجدى في تقديم ما يحتاجونه.
وقد شاركت في الجمعية السورية للبيئة حيث صنعنا الحديقة البيئية المشهورة عند قلعة دمشق والتي كانت مكبا للنفايات، وبعدها وعن طريق الإعلام شاركت في إيصال أصوات الكثير من الجمعيات العاملة في سورية وخصوصا الأهلية والتي تؤكد وجود الحراك في المجتمع وتوصل إلى المسؤولين صوت المعاناة.
واني لا اعتبر بأن مرحلة العمل تتعلق بالعمر بل على العكس ربما التقدم بالعمر هو خبرة أكبر، وبعد الانتهاء من المسؤوليات العائلية فالأطفال كبروا وتزوجوا ومسؤولياتي تقلصت ما يعني أن لديّ وقتا أكبر للعمل وبما أني لازلت أستطيع أن أقرأ وأتعرف على الجديد دوما فهذا يعني أني مستمرة بالعطاء.
الإعلامية الكبيرة "هالة أتاسي" أرجو أن تكون تجربتك صفحة منيرة في تاريخ الإعلام السوري العربي لينهل منها كل من يريد أن يطور أدواته ويتقدم نحو الأمام. شكرا لك
رهادة عبدوش الأبجدية الجديدة
إرسال الى صديق عــودة
|