في إحدى الندوات التي قامت بها جامعة دمشق التقيت مع مجموعة من الأساتذة الجامعيين وقد كانوا يتحدثون فيما بينهم والامتعاض بادي على وجوههم، وقد كانوا يتسايرون حول الوضع العام في مؤسسات ووزارات الدولة، وإذ بإحدى الدكاترة تقول ألا تسمعون بالمثل الذي يقول:"المزار القريب ما بيشفي" هكذا هم في بلدنا لا يقتنعون بالخبير الوطني ويتوقعون أن خبيراً أجنبياً في دولةٍ غربيةٍ أو عربيةٍ أفضل ألف مرّةٍ من خبيرٍ وطني.
وذلك قبل أن يحاولوا البحث هنا وقبل أن يجربوا مقتنعين أن الآخرين أقدر وأكثر إدراكاً من الخبير الوطني بينما خبرائنا السوريين يطلبونهم في دول أخرى وبمبالغ باهظة!! عجيبة غريبة هي مؤسساتنا.
ولم يكن ذلك الحوار النقطة الوحيدة التي لفتت نظري إلى ذلك الموضوع فهنالك أمثلة كثيرة جعلتني أقف مراراً أمام ذلك السؤال هل تفتقر بلادنا إلى الخبراء؟ أين هم خبراؤنا الذين يتعلمون على حساب جامعاتنا أحياناً كثيرة؟ لماذا يدخر جزء كبير من الميزانيات للخبرة الأجنبية بينما توجد في سورية خبرة وطنية تستحق الاهتمام والوقوف عندها ولا تكلف الدولة نصف تلك المبالغ المخصصة للخبراء الأجانب؟
عندما تأسست إحدى هيئات الدولة استعانت بخبراء بريطانيين ليدرسوا الأسس الناظمة لتسيير هذه الهيئة واحتياجات البلد فعادوا إلى المستشارين القانونيين والاقتصاديين والباحثين السوريين يسألونهم عن القوانين الداخلية والنظم ومكثوا في سورية حوالي العام، ولا تخفى التكاليف الباهظة التي صرفت عليهم حتى أسسوا النظام العام لهذه الهيئة ووضعوا الشروط العامة والخاصة لموظفيها وطريقة القيام بعملها...
وقد كان الخبراء السوريين يتعجبون من استثنائهم من عدم دعوتهم للقيام بهذا العمل والذي يحتاج لخبرة وطنية ولخبرة ابن البلد، والتي كانت ستكلف مبالغاً مالية أقل بكثير ووقتاً أقل من الوقت الذي استهلك فهو على علم تام بالأنظمة والاحتياجات، لكن البرستيج ربما أو الخوف من التجربة أعاقت تعيين خبراء وطنيين والاستعانة بأجانب عوضاً عنهم.
وكذلك الأمر بمؤسسات كثيرة في الدولة والوزارت كالتعليم العالي والثقافة والإعلام والزراعة ووووغيرها.
يقول المهندس (ناصر عزام): كثيرة هي المشاريع التي تقوم بها الدولة وتستعين بالخبير الأجنبي بينما المهندس السوري وهو الذي يعرف بأدق التفاصيل والأنظمة يعامل كأي موظف إداري وهذا أدى إلى التكاسل فيما بيننا وجعلنا نتنحى بل أحيانا نكاد نقتنع أننا لا نملك الإمكانيات التي يملكها الأجنبي.
ويتابع الأستاذ (سامر حجو) ليقول: إن فالعامل نفسه يمكن أن يتحول لخبرة وكفاءة مهمة إذا ما توفر له مناخ التدريب و اكتساب الخبرة و المهارة اللازمة، فما بالنا بالخبرات النائمة والتي على مستوى عال من التدريب والكفاءة لكن إهمالها وتحولها نحو القطاع الخاص أو هجرتها أدى إلى افتقارنا لخبرات في القطاعات العامة وهذا يتوضح في كثير من القطاعات الاقتصادية والخدمية.
أما الدكتورة (رندة علي) فترى أن وراء ذلك ليس عدم الثقة بالخبرات الوطنية إنما طريقاً جديدا من الطرق المشروعة للنهب من خيرات الدولة وذلك من القيمين عليها من مدراء وجهات أعلى مستفيدة.
وفي لقاء مع الدكتور المهندس (آصف حمود) أكد أن استعانة مؤسسات الدولة بالخبراء الأجانب والتغاضي عن خبرائها إنما هو إعلان بالفشل والهزيمة أمام العقول الأخرى وهذا يعكس صورة سلبية أمام الآخرين عن القدرات السورية والتي لا يستهان بها ففي الدول الكبرى كأمريكة وفرنسا وغيرها برع السوريين في أعمالهم وكسبوا احترام الآخرين بينما في بلدهم لم يهتم أحد بهم وكثيرة هي الأمثلة عن الذين قرروا ترك الأمجاد في الدول الأوروبية وعادوا ليفيدوا بلدهم فكانت لهم الأعمال الإدارية والتوظيف في أماكن لا علاقة لهم بها، هذا ماعدا العقول السورية التي لم تغادر سورية لكنها بالمقابل لم تغادر كراس وراء طاولات مهترئة.
وتابع "إذا أردنا بالفعل تغيير هذه الصورة المهزلة يجب القيام بإجراء مسح للكفاءات الموجودة و إعادة ترميم الملفات الشخصية للعاملين وتوثيق خبراتهم ودوراتهم التدريبية ومساهماتهم العلمية، والاستفادة من الجميع واحترام خبرتهم ودراستهم وهذا سيساعد على تنمية الشعور بالمواطنة أولا والانتماء والإحساس بالمسؤولية ومن الشق الثاني سيخفف الضغط عن الميزانية وسيغلق الأبواب أمام الفاسدين والفساد".
من هنا كثيرة هي الأسباب التي توجب البحث عن أساليب جديدة للتعامل مع الخبراء بل تعريف الخبير بأنه الوطني أولا فابن البلد الذي يعرف أنظمتها وقوانينها ويشعر بأهميته فيها ومواطنيته سيقدم أضعاف ما يقدمه الخبير الأجنبي وبأجور أقل أضعاف المرّات..
رهادة عبدوش الأبجدية الجديدة
إرسال الى صديق عــودة
|