بالرغم من أن للفن عوالمه الخاصة التي تنزع أصحابه من العالم الأرضي إلى عوالم بعيدة وكواكب أخرى من خيال وأحلام.
إلا أن الفنانة التشكيلية رانيا كعكرلي لم يستطع الفن انتزاعها من صلب المجتمع ومن التعمق في قضاياه ليصبح هاجساً في رسوماتها وأعمالها، فحافظت على التراث الدمشقي في لوحاتها، وساندت النساء ضحايا العنف المنزلي بالدعم النفسي والاجتماعي، ودرّبت أطفال لفظتهم الحياة فجعلت منهم فنانين صغار، فكانت الفنانة الممتلئة بالعطاء بدءاً من بيتها انتهاءً بالمجتمع كله، لتعتبر ناشطة اجتماعية وفنانة مبدعة ستخلدها لوحاتها التي وثّقت دمشق الجميلة والتي حاولت أيدي كثيرة العبث بها وتخريبها، ورصدت المرأة القوية والتي هي كل نساء الأرض، لتقول هذه أنا أضع بصمتي والتي تعبر عني وعن كل النساء اللواتي يرفضن الواقع الذي يضعهن في هوامش ضيقة، ولتقول بالفن والعمل سيتغيّر المجتمع نحو الأفضل.
في مكان أشبه بالحلم الجميل، تماثيل ولوحات رسمها أطفال وصور لأطفال يرسمون وألوان واضاءات وفسحة صغيرة فيها لوحة قيد الإنجاز وهي لأم استشهدت مع طفلها لكنها تبدو مبتسمة تعد بأفق مشرق، ولوحات لنساء يعلن صمودهن بوجه مجتمع طالما اعتبرهن ضعيفات ووضعهن في مكان منزوٍ.
في هذا المكان محترف الفنانة (رانيا كعكرلي) تحدثت معها عن أهم محطات حياتها والتي جعلت منها امرأة متميزة بالرغم من الكثير من العوائق والصعوبات.
أريد بالبداية التعرف إلى البيئة التي أتيت منها وكيف بدأت تتلمسين الخطوات الأولى في عالم الفن؟ لقد تربيت في الحارات الدمشقية فكنت أتنقل بين شوارعها التي امتازت بأشجار النارنج والأكدنيا والياسمين وامتازت أيضا بأبوابها الجميلة ونوافذها النظيفة، وهذا ما حفظ جيدا بذاكرتي وظهر بلوحاتي، ومن خلال عمل والدي في نجارة الموبيليا بدأت تظهر لدي موهبة الرسم ما دفع بوالدي لإدخالي مركز أدهم إسماعيل للتدريب على الفن، هنا تفجرت موهبتي التي ساعدتني على دخول كليّة الفنون الجميلة في دمشق وبدأت بالفن الواقعي وتخرجت به أيضاً.
وقد تخصصت بالبداية في التصوير الزيتي وتعرفت على العديد من الفنانين العرب والعالميين الذين دخلت محترفهم واكتشفت عالمهم الجميل ومنهم (فاتح المدرس) الفنان الرائع الذي لا تزال ذاكرتي تحتفظ بمرسه وبأوراقه الصغيرة التي كان يلصقها على جدران مرسمه، وبكلماته ونصائحه الهامة، ومن خلال تجاربي وتنقلاتي من بلد لآخر وتعرفي على العديد من الخبرات وصلت إلى النقطة التي أنا عليها الآن وبدأت بوضع بصمتي في عالم الفن.
كيف تخبرينا عن المعارض التي شاركت بها وماذا عن الجوائز التي استحقيتها كفنانة تشكيلية؟ لقد زرت العديد من المعارض وشاركت في معارض جماعية ومعارض فردية في سورية المتحف ومقهى الرواق ومعارض خاصة من مثل عالبال حيث شاركت في معرض تحت عنوان "حتما انك امرأة" و "تحية إلى نزار قباني" أما المعارض الفردية فكانت عديدة في أماكن مختلفة.وشاركت في معارض عديدة في العالم.
وقد نلت جوائز افتخر بها منها جائزة (اللوحة الصغيرة) في وارسو وهي للفنانين المقيمين في بولونيا وكان ذلك عام 1988 واكتشفت أهمية أن تربط اللوحة بالمجتمع بأن تعكس صورته وتعطيه أملاً وفكرة تحييه.
الفنانة رانيا لقد أخذتك حياتك الخاصة من الفن لكنها لم تأخذك من المجتمع كيف تحكي لنا عن هذه المرحلة من حياتك؟ كان لزواجي من فنان تشكيلي أثر سلبي وليس ايجابي على مهنتي، فقد همشت لحسابه وهذا بسبب مني أني اعتبرت أن دوري في البيت فقط وأن لزوجي الحق بالعمل والشهرة وعلي فقط الاهتمام بالأولاد والبيت، وهذا انعكس سلبا علي لكن بالنسبة لبيتي استطعت تربية بناتي تربية جيدة وتأسيس منزل وأسرة صغيرة.
لكن من جهة أخرى توقفت عن الفن والرسم، أو بالأحرى اكتفيت بالرسم بالمنزل فقط دون الخروج عن نطاقه، إلى أن استيقظت لنفسي وأدركت أني مهمّشة وأن الأسرة ليست مسؤوليتي وحدي بل هي مسؤولية زوجي أيضاً وأدركت أن هنالك الكثير من السيدات اللواتي نسين أنفسهن وضحين لأجل الأسرة مع التأكيد على نبل ذلك الفعل لكن المشكلة أن هذه التضحية فقط من المراة لأن مجتمعنا ذكوري يعتبر أن النجاح والعمل والشهرة هي للرجل أما المرأة فدورها الإنجاب وتربية الأولاد فقط.
وهذا ما بدأت الاهتمام به فعدت إلى نفسي أولا إلى تلك الفنانة التي نست نفسها، وتحولت إلى العمل مع النساء المهمشات والمعنفات وبدأت بمساندتهن عن طريق رابطة النساء السوريات وهي جمعية تعنى بالمرأة في سورية وتنميتها وتطويرها فتدربت معهن واشتركت بالعديد من الفعاليات ومنهم توصلت إلى النساء اللواتي بحاجة إلى دعم وعملت على دعمهن ومساندتهن ونشلت الكثير من السيدات من الوضع البائس الذي كن به فعززت ثقتهن بأنفسهن وهذا انعكس على حياتهن وحياة أسرتهن بشكل ايجابي.
وعندما عدت إلى لوحاتي رسمت تلك النساء اللواتي وقفن بوجه المحن وأثبتن أنهن موجودات هنا على الأرض وفي المجتمع وهذا عنوان لوحاتي القادمة والتي أعمل على انهاءها، لأقدمها في معرض فردي وخاص بالمرأة.
في المرسم رأيت صوراً لأطفال يرسمون وعرفت أنك متطوعة مع دار للأطفال الأيتام واللقطاء كيف تساعدين هؤلاء الأطفال؟ لقد افتتحت في مرسمي ركنا خاصا للأطفال لتعليمهم على فن الرسم وتدريبهم على أصوله، ولا توجد سعادة أجمل من رؤية الطفل وهو يلعب بالألوان ليصنع منها لوحة تعبّر عنه، أما الشق الثاني من عملي الذي اعتز به هو تطوعي مع دار زيد بن حارثة للأطفال الأيتام واللقطاء وهم من أشد الأطفال حاجة إلى الحب والعطاء وتكريس الوقت والجهد وعملت من خلال الدار على تدريبهم على الرسم ليعبروا عن مكنوناتهم بلوحات تحكي واقعهم الذي لا ذنب لهم فيه فهم ضحايا مجتمع يجهل حقوق الطفل والواجبات التي عليهم أن يقدموها له.
وأصر الآن على المتابعة معهم لأخرج منهم مبدعين وفنانين حقيقيين وهذا وما بدأت أتلمسه وأخطط لمعرض يضم لوحاتهم لأقيمه في دار زيد بن حارثة.
في ختام لقائنا مالذي توجهينه للنساء والأطفال والفنانين في عالمنا العربي؟ أريد أن أؤكد أن القهر والظلم لن يستمرا إذا حاول الإنسان أن ينتزعهما، وهذا ما حصل معي وقد جاهدت لأنتزع القهر مني لأصنع من حزني أملا للنساء والأطفال وأعطيهم خيط أمل يمشون عليه، واني متأكدة أن المحاولة هي الأساس وأريد أن أوجه رسالة للفنانين بأن أقول لهم بالفن سنغيّر الأماكن المظلمة في المجتمع وبامكاننا تقديم السعادة للأطفال والمظلومين وسنوثق صور بلادنا الجميلة كما أوثق حارات وأبواب دمشق القديمة والتي تحاول أيدي خفية أن تمحيها وتلوثها وسنرسم صورة لمجتمع آمن وأفضل وقد اتخذت منحى في عملي الفني وهو البورتريه لأعبر بالوجوه عن الإشراق والأمل.
الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|