إجتمع الضيوف الزعماء على مائدة عشاء ضمت أصنافاً مختلفةً من لحوم أطفال غزة... ولأن بروتوكولات الطعام تقتضي أن يشكر الضيف من أضافه، تهافت الضيوف على شكر صاحب الدعوة.
لقد قرر هؤلاء الزعماء مسبقاً أن تلك الوجبات المقدمة لهم هي بالفعل وجبات لذيذة، بل أن البعض قد أرسل من ساهم في إعدادها، والبعض الآخر قام بالترويج لها، ومنهم من دافع عنها ضد هؤلاء عديمي الذوق الذين استهجنوها، فهم لا يعرفون طعم كراسيهم.
وبالتأكيد لم ينسى أولئك الزعماء التوجه بالشكر للزعيم الذي قرر من خلال إتصال هاتفي بأن الطبخة قد أستوت. فلولاه لاحترقت الطبخة وباظت الدعوة... أفلا يستحق الشكر.
هم قرروا مسبقاُ أن يكونوا أكلة لحوم بشر، وهل هناك ألذ من طعم لحم أطفال العرب!!؟ هكذا أخبروهم وما زالوا يخبروهم منذ عام 1948، ومروراً بكل إنجازات حفلات العشاء التي أقاموها.
هل تذكرون حفلة جنين؟ هل تذكرون حفلة قانا 1 وقانا 2؟
إنهم اليوم فقط يعيدون تلك الحفلات لا أكثر ولا أقل، ربما لأنهم أدمنوها ولا يستطيعون الإستغناء عنها، وأقصى ما يخشونه هو أن لا يستطيعوا يوماً ما إقامة مثل تلك الحفلات. لذلك فهم لا يتوانوا في إقامة الصلوات ورفع الدعاء للرب الذي خصصوه لهم من أجل تأمين تلك الوجبات اللذيذة.
أي عار يلحق بأولئك الذين حاولوا الإستخفاف بعقول العالم؟ ألا يشعر أولئك بالخزي عندما يتقاسمون مكاسب عشاء الأطفال هذا؟ ألا يشعرون أن الدور سيأتي حكماً على أولادهم وأحفادهم إن لم يناصروا من يقاوم اليوم؟ ألا يشعرون أنه لولا أولئك (المغامرون) لكان أصحاب دعوة عشاء الأطفال يبحثون في غرف نومهم عن ما يطفئ لذتهم؟
أقول لمن لا يعلم، تبعد مدينة غزة عن دمشق كخط نظر مسافة حوالي 300 كم، وهي تبعد ذات المسافة عن القاهرة، كما أن تل الربيع في يافا أو ما أصبح يعرف بـ (تل أبيب) تبعد عن دمشق حوالي 220 كم، وكذلك تبعد القدس عن دمشق. فدمشق تتوسط تقريباً خط شمال جنوب لما يعرف بإسم بلاد الشام، من الحدود التركية حتى الحدود المصرية.
فالمسافة إلى غزة هي تقريباً ذات المسافة إلى مدينة حلب، وهي البوابة بين بلاد الشام والديار المصرية.
إنها آخر المدن في الجنوب الغربي... وكما وصفها نابليون بونابرت فهي المخفر المتقدم للشام، وشعر أنه بإخضاعها سوف يخضع الشام، ولكن هذا لم يحدث.
فأهل غزة، وهم بالمناسبة أهل كل الجنوب الفلسطيني الذين هجروا إلى هذه البقعة الصغيرة من وطنهم، هم أناس تربوا على المقاومة. هم أذلوا أعدائهم رغم الثمن الباهظ الذي دأبوا على دفعه لأجل كرامتهم وعنفوانهم... إن غزة تختصر فعل وغريزة المقاومة فتجسد بذلك عقيدة كل بلاد الشام.
إنها آخر غرزة من بلاد الشام، إلا أنها عصارة كل بلاد الشام بالفعل المقاوم، أنها عصارة الكرامة، التي لم تتحسسها على حدودها الحالية، بل تحسست أثار أولئك الزحفطونيين (أي الزاحفون على بطونهم لإرضاء العدو). هي تنظر بألم لأولئك الزحفطونيين، وترى فيهم أناس باعوا عصارتهم المقاومة مقابل الدعوة إلى وليمة عشاء أطفال غزة، فهذه الوليمة تفتح القابلية، وكل بحسب رغبته، للعديد من المشاريع المستقبلية.
تصوروا لو كانت غزة ما زالت على حدود سوريا الحالية...
هل كانت ستترك وحيدة؟
هل كانت ستخضع للحصار؟
رغم كل الخلاف الذي شاب العلاقات السورية العراقية في الثمانينات، إلا أن سوريا رفضت أن يخضع الشعب في العراق لحصار ظالم، فكانت بوابة الحياة لهذا الشعب..
ورغم تكالب كل العالم على المقاومة في لبنان، إلا أن سوريا فتحت أبواب بيوتها ومدارسها ومبانيها لكل لبناني، بل لكل مقيم في لبنان بغض النظر عن جنسيته وإنتمائه. ولم نسمع عندها أن سوريا تريد تنظيم دخول المواطنين اللبنانيين من خلال ثبوتيات أو مراقبين، وأنها لن تسمح بعبور الأفراد الذين فقدوا وثائقهم. بل فتحت حدودها للجميع حتى دون أية وثيقة، وأوجدت طريقة لدخولهم دون أن تطيل إنتظارهم على الحدود، ليستلمهم بعد ذلك الهلال الأحمر العربي السوري ولجان المقاومة الإجتماعية فينظموا إقاماتهم من أجل إيصال كافة الإحتياجات إليهم.
لقد احتضن الشعب في سوريا شعب المقاومة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، فتقاسموا معهم الخبز والماء والملبس وحتى ألعاب الأطفال.
ولمن يعتقد أن آلة الحرب الصهيونية يمكن أن تهدد دمشق دون القاهرة أو دون عمان فهو ليس فقط بغافل عن الحقيقة بل هو ساذج أيضاً، وذلك بغض النظر عن أي إتفاقية موقعة فوق الطاولة أو تحتها.
إن من يُعلّم أطفاله أن الآخرين هم مجرد عبيد لشعب إسرائيل، وبالتالي يحق لهذا الشعب أن يعاملهم كما يشاء وأن يسحقهم كما يشاء، هذا الطرف لا يمكن أن يلتزم بأي معاهدة، فهو غير ملتزم بإنسانيته فكم بالحري بحبر على ورق.
إن عدونا لا يفهم إلا لغة واحدة، آلا وهي القوة، ولا يمكن أن نكون بمأمن من شره إذا لم نستعد بشكل جيد وعلى جميع الصعد، أي العلمية والعسكرية والإجتماعية واللوجستية... إلخ.
لقد آن الأوان لإقامة حلف المقاومين، على أن يضع هذا الحلف إستراتيجية واضحة تترجم إلى خطة عمل تعكس الفعل المقاوم، وذلك ليس فقط للمقاومة بالسلاح أيام الحرب، بل للقيام بهذا الفعل كل يوم من خلال الإعلام والعلم وإنعاش الذاكرة لكي لا ننسى والإعداد الجيد لكل ما يساهم في تعزيز الإنتماء، فالإنسان بلا هوية واضحة المعالم لا يمكنه أن يقاوم أولئك، وخصوصاً أنهم أصحاب عقيدة، هي عقيدة شيطانية ولكنها موجودة وحاضرة وتُغذى كل يوم من خلال المدارس والإعلام والمؤسسات الحربية.
فإذا أردنا النصر علينا بالإستثمار بالإنسان أولاً وذلك على كل الصعد ومن خلال خطة واضحة تنسجم مع إستراتيجية تتسم برؤية تحويل هذا الوطن إلى مركز إستقطاب لكل ما هو حضاري وإنساني. وكما نقول دائماً فإنه لا خلاص لهذا الوطن إلا بالتنمية العلمية والمعرفية، وعلينا أن نبدأ...
وقتاً ممتعاً نتمناه لكم مع مواضيع هذا العدد من الأبجدية الجديدة
مالك الحداد
الأبجدية الجديدة
إرسال الى صديق عــودة
|