الأبجدية الجديدة | الأبجدية للصور | بث تجريبي لإذاعة الأبجدية | شركة الأبجدية  | 
الصفحة الرئيسية الأعداد من نحن التصويتات صورة وتعليق المنتدى غرفة الدردشة الأتصال بنا اعلن معنا
  المواضيع
  المعلوماتية والمجتمع
  أطفال سوريا
  شباب سوريا
  الاسرة السورية
  التربية والتعليم
  أعلام من سوريا
  تاريخ وآثار
  فنون ومنوعات سورية
  العلوم والتقنيات
  وطنيات
  إقتصاد وأعمال
  شكاوى أهل البلد
  شؤون قانونية
  الجولان
  تحقيق الأبجدية
  سوريات متميزات
  سورية حكاية حجر وروح
  مشاريع صغيرة أو متناهية الصغر
  العمل الأهلي
  مرحبا
  أيام من شامنا
  ملفات
  بورصات
  حوادث
  القطاعات
  الصناعة
  النقل
  السياحة
  الري
  المغتربين
  الصحة
  ثقافة
  الزراعة
  البيئة

 أكثر المواضيع قراءةً

الأولاد... يريدون... إرجاع الطابة....
بقلم المهندس باسل قس نصر الله

 أكثر المواضيع تعليقاً

 أكثر المواضيع طباعةً

الفنان وديع الصافي: الشعب السوري ضمير العرب وشرفهم.. وزير الإعلام: الصافي كرس قيم الكرامة والعروبة

أنشودة العبادة الأوغاريتية
1400 ق.م

من عمريت أنطلقت الألعاب الأولمبية

روابط مهمة

البحث RSS Feed

 

 ولنا من مذبحة الأرمن عبرة...
على خطا غازاروس كرجليان
بقلم: آرا سوفاليان

العدد الحادي والخمسين - 2009-01-19
طباعة المقال
إرسال الى صديق
عــودة

بضع مئات من الكتب التي تتحدث عن الإبادة الأرمنية وقعت في يدي وفي كل مرة كان قلبي ينخلع من مكانه عندما أصل إلى القسم الذي يتحدث عن صاصون.

كانت صاصون شوكة في حلق العثمانيين، صاصون تلك المدينة الجبلية العصية جعلت السلطان عبد الحميد يخرج عن صفاته الثلاثية التي يظهرها للعلن الحلاسة والدماثة والملاسة ليستبدلها بالنجاسة ويقرر أن صاصون في كفة الميزان الأولى أما الكفة الثانية ففيها العرش وتاج آل عثمان وهيبتهم.

أهل ساسون:
أما أهل ساسون فكانوا يلقون الصخور على ألوية الجيوش التي تفكر بالمرور في أراضيهم للصعود إلى جبالهم ويحرقون المدافع التي يتم تسليط فوهاتها إلى السفوح، وكانت نساؤهم جيش مقاتل تتبرجن بأمشاط الرصاص على الخصور وتتصالب على الصدور وتحمل المرأة الواحدة بندقيتين لأن كل أهل صاصون يعرفون أن معركتهم هي معركة وجود فإن هم خسروا الحرب فسيعمد آل عثمان إلى حرق جذورهم وأصولهم وفروعهم وحقولهم وغاباتهم وأحراجهم وجداول مياههم وقطعان ماشيتهم وهذا ما حصل لأشد الأسف.

ومن الطبيعي أن لا تتوازى مقدرة المقاتلين الثوار مع مقدرة السلطنة لأن للسلطنة ميزانيتها ومكلفيها وجامعي ضرائبها وأتاواتها وجلاوذتها وجباريها والمتنطحين للإنضمام تحت لوائها لجني ثمار المنفعة والحماية ولإضفاء الشرعية لأعمالهم اللامشروعة وهم رهن الإشارة ورهن الأوامر، وبالتالي فلقد وقع أهل صاصون بين نارين الأولى نار الحكومة الممثلة بجيشها وشرطتها ومالها وذهبها وعسسها ومخبريها وخزنة سلطانها والفرق الحميدية، والثانية نار قطاع الطرق ورؤساء العشائر الكردية والشتا واللصوص والمجرمين الذين منحوا العفو مقابل محو صاصون وأهلها من الوجود.

الغلبة:
وكانت الغلبة للأقوى والأقوى هو من كانت خزائنه أقوى وضاعت صاصون فلقد تم إفناء رجالها في الجبال بعد أن قاتلوا حتى آخر رمق، وزحفت الجيوش واقتحمت صاصون فلم يعثر فيها إلاَّ على الشيوخ و النساء والأطفال.

زيتون وصاصون والكفاح البطولي من أجل البقاء وتحولت النساء إلى مضرب مثل فهناك شاكيه Chakeh  الصاصونية التي لا تبرح مخيلتي فلقد حرضت رفيقاتها على الانتحار الجماعي لتجنب الوقوع بين براثن الوحوش.

ففي المنعطفات المشرفة على الوديان السحيقة حيث الصخور المسننة، تشابكت أيادي بنات صاصون في طقس قدسي وارتمت الأجساد طائرة في الهواء والأيدي متشابكة تستمد العزم من ينابيع البطولة وتتهاوى إلى الأسفل للقاء الصخور المسننة فأهلاً بالموت فهو البلسم المنجّي من العار.

ومات الكثيرون ونجى القلائل فهناك من حزم أمره وغادر صاصون قبل السقوط أو قبل سيل الحقد العارم حيث عربات القش المشفوعة بعربات النفط التي حشرت في مداخل الكنائس ونوافذها والأجساد متكدسة في الكنائس، الأم وأطفالها والشيخ وأحفاده والكل متعب ومنهك وجائع، وتم رش النفط على القش وحفلة شواء مروعة راح ضحيتها نساء وشيوخ وأطفال صاصون عن بكرة أبيهم وكان الله منشغل في أمر لا نعرفه وغير عابئ بهدير أصوات المصلّين فاقدي الرجاء ولا بدعائهم خلف الداعين من رجال الدين الذين لا يجيدون إلاَّ حضّ الناس على الدعاء والابتهال والترجي والصلاة والتراتيل وأنا في أشد العجب من إنسان مقبل على الموت ويغني.

رسالة:
ووصلتني رسالة عبر الإيميل من فتاة أرمنية لا أعرفها قالت لي أنها بصدد الحضور إلى دمشق لزيارة الأهل، وعلمت أنها تدرس الطب النفسي في الولايات المتحدة الأميركية وعلمت بأنها تطبع مقالاتي المنشورة في سيريانيوز وتوزعها على أصدقائها في نوادي الأرمن وكنائسهم في أميركا، وتضع المقالات القومية التي تخصّ القضية الأرمنية في لوحات الإعلانات في النوادي المذكورة ومقرات الأحزاب والكنائس الأرمنية وتجهد نفسها في الترجمة إلى الإنكليزية والأرمنية وهي تطارد كل أعمالي وخاصة في المواقع الأرمنية وأهمها على الإطلاق www.azad-hye.org  والعربية وأهمها على الإطلاق سيريانيوز  www.syria-news.com

قالت لي هناك فرصة للتعرف عليك تقابلها فرصة أخرى أضع فيها بين يديك مادة للكتابة تتعلق بالهمْ المشترك (أرمينيا) فنحن نعمل في نفس المنحى ولدينا نفس الاهتمام، ولهذا فأنا أريد رؤية آرا  سوفاليان عن قرب، أجبتها بإيميل يحوي أرقام هواتفي في دمشق وقلت لها اتصلي بي لحظة وصولك.

ووصلت والتقينا وقالت أنها صاصونية فوقفت مشدوهاً أمام نظراتها القاسية التي تعرف ما تريد وأمام الفكر المذهل والمتقد، وأمام الجدية وقوة الحجة، وأمام الإصرار على فعل شيء في حين لا يهتم الآخرون لأي شيء، والدها من صاصون، وأمها من كابان، فلقد جرت العادة أن ينظر الأرمن حول العالم إلى الأرمني الصاصوني نظرة التقدير والاحترام ويعتقد معظم الأرمن أن شعاع البطولة سطع لأول مرة من صاصون.

كان معي كومبيوتر محمول ومعها كاميرا ديجيتال متطورة قالت لي أن ذاكرة الكاميرا كبيرة جداً وهي تحوي صور من الولايات المتحدة وصور أخرى تم التقاطها في أرمينيا، وتبين أنه لا يوجد مدخل في المحمول يناسب كبل الكاميرا فعرفت أن هناك فرصة ثمينة قد ضاعت ولن أتمكن من نقل ملفات الصوت ولا ملفات الفيديو ولا الصور إلى جهازي فلقد قالت أن كل شيء في الصور وبالتالي فإن لم أحصل على الصور فأنا لن أحصل على مادة للكتابة.

الحزم:
فنهضت مسرعة وقالت أنا لا يعطلني شيء عن أي شيء وذهبت مسرعة وعادت ومعها مجموعة كابلات اشترتها من محل كومبيوتر قريب وقالت لي: دعنا نجرب هذه الأشياء فسينجح واحد منها على الأقل... واستطردت متمتمة لا يمكنني الاستسلام لهذه الكاميرا الغبية وكابلاتها المتعلقة ومصمميها الذين لم يتفقوا مع الغير على مواصفة موحدة.
قلت لها: لقد وصلتِ من الولايات المتحدة إذا
فقالت لا: لقد وصلت للتو من أرمينيا
قلت: والايميلات المرسلة لي هل كانت من أرمينيا؟
قالت: من أميركا قبل السفر إلى أرمينيا ثم من أرمينيا
قلت: ماذا كنت تفعلين في أرمينيا
قالت : القصة طويلة
قلت: سأكون مستمع جيد
قالت: قبل الشروع في القصة أرجو أن تغفل اسمي نهائياً في مقالتك ، فقلت لها: هذا يحبط المقالة
قالت: ليس إن كنت أنت كاتبها، قلت: نضع اسم عائلتك، فقالت: ولا هذا قلت: اسم مستعار قالت لا لا أبداً... وتوقفت عن المحاولة.

كابان:
قالت: أهل أمي من كابان وكابان تم محوها من خارطة الأناضول وتم قتل أغلب أبنائها الأرمن في العام 1915 عدى القلة التي يسّر الله لها سبل الهرب فنجت!
قلت: يجب أن نضع اسماً للمقالة وأطلب منك اختيار هذا الاسم فقالت: على خطا غازاروس كرجليان قلت لها اختيار موفق ولكن من هو غازاروس كرجليان فقالت:اسمع إذاً...

مقدمة تاريخية:
في العام 1915 كانت قرية كابان Gaban التي تقع في منطقة كيليكيا تضم فيما تضم من عوائل الأرمن عائلة كرجليان، وكانت هذه العائلة هي العائلة المسيطرة في القرية بسبب كبر عدد أفرادها، وبدأت سوقيات الإبادة وسارت قافلة الترحيل باتجاه دير الزور النساء والأطفال في كنف من بقي من كبار السن بعد أن تم ذبح الشباب ذبح النعاج وضاع الصغار عن أهلهم أو عن ما بقي من أهلهم في السوقية ولم يبقى من عائلة كرجليان إلاّ طفلين هما كريكور واستيبان الأول يحمل في ذهنه خط واهم يفصله عن الجنون، حيث تم ذبح أخوه مانوك ذبح النعاج أمام ناظريه وسارت السوقية باتجاه دير الزور وأنقذ البدو كريكور وأخوه ستيبان، وتولوا تنشئتهما ورعايتهما فصاروا من رجال القبيلة، ولأن البدو تلازمهم صفة الترحال فلقد يممت القبيلة التي ربّت كريكور وستيبان صوب الأردن وكان باب التطوع في الجيش مفتوحاً على مصراعيه في بدايات تشكيل الجيش الأردني، فتطوع كريكور وستيبان في الجيش وكان الأردن يرزح تحت الاحتلال البريطاني، وطلائع الجيش الأردني هي في أغلبها من الهجانة وتحت قيادة ضباط إنكليز فلقد نشأ الأخوين كرجليان في ظل الجيش البريطاني و احترفوا الجيش وتعلموا القسوة وشظف العيش.

جلالة الملك عبد الله الأول:
وتسجل لستيبان مأثرة، فلقد تفرد المغفور له جلالة الملك عبد الله الأول في جولة استكشافية على بعض قطعات الجيش، وفقدت آثاره في الصحراء، وكان يحمل من الماء ما يكفيه مؤونة يوم واحد، وانشغل الناس في البحث عن جلالته في سباق مع الزمن واستيبان منهم، وأصاب اليأس الجميع وفي المغيب حدث ما لم يكن في الحسبان فلقد عثر ستيبان على جلالته وعادا معاً إلى طلائع الجيش، وتم ترفيع ستيبان الأرمني ومنح وساماً فلقد أعمل عقله وفاز بما أراد على الرغم من عدم وجود فرسخ صحراء في كل بلاد الأرمن، وفي متن الشهادة الملحقة بالوسام أمر ملكي يسمح لستيبان بمقابلة الملك ساعة يشاء وبدون إذن ولا حجّاب، ولكن استيبان لم يستعمل هذا الأمر الملكي ولا مرة واحدة في كل حياته، لأن لستيبان ومثله أخوه كريكور هاجس واحد لا غير وهو العودة إلى أرمينيا المحررة ولملمة الشتات ورتق العذابات والجراح وعودة الأحبة، وكانت هذه المهمة صعبة وتزداد صعوبة كل يوم حيث لا طاقة لكل ملوك الأرض بها، فهي منوطة فقط برب العباد وستيبان ومثله كريكور يعرفون حدود أحلامهم وأمانيهم.

تأخر كريكور في الزواج فلقد أراد أن يتزوج ستيبان قبله فأنتظر إلى أن تزوج ستيبان فتزوج بعده، واستقلت الأردن وغادرها جيش الاحتلال البريطاني وأختار الأخوين البقاء في الأردن وعمل كريكور في النجارة، ولمهنة النجارة قدسية لدى الأرمن لأن مار يوسف البار كان نجاراً وتعلم السيد المسيح النجارة منه وعمل بها.

رزق كريكور بغلامين هما غازاروس وهاروت وجهد في تأمين المعيشة اللائقة للعائلة، وذات يوم كان شارد الذهن فقطع أصابع يده اليسرى على المنشرة، وسار بغير هدى وقد لفَّ يده بالنشارة لإيقاف النزف، سار يقصد إحدى المشافي لمعالجة بتر أصابعه، فكان يأبى أن يصل إلى داره إلاَّ والصغار نيام لكي لا يصيبهم الهلع، لأن كريكور هو العائلة وهو الأصل وهو كل الأقارب والفروع فالعائلة مقطوعة من شجرة وقرية كابان سويت بالأرض وتم قتل أبنائها وأغلبهم من عائلة كرجليان ولا ريب أن رؤية رب العائلة على هذا الحال سيوقع الرعب في قلوب الأطفال.

ولأن الإعاقة لا تؤثر على الأرمني فلقد ذهب في اليوم التالي لمزاولة عمله، والتحق ابنه غازاروس بمدرسة تيراسانتا وهي معهد يقال أنه الأقوى في منطقة الشرق الأوسط وأحرق غازاروس المراحل بتفوقه ونباهته فلقد كان الأول على المعهد دوماً، وتخرج بمرتبة الشرف، فتم إيفاده إلى أنقرة باعتبارها الأقرب والأرخص، فدرس الهندسة هناك، ولازمه التفوق في سني دراسته العليا فاجتذبته الولايات المتحدة الأميركية،و اجتذبت كندا أخاه ستيبان، وكان السفر والبعد ثم التلاقي والقرب من نصيب الآباء وكذلك من نصيب الأبناء على طول الخط فلقد غادر كريكور والد غازاروس إلى الولايات المتحدة ومكث هناك عند ابنه غازاروس وبقي هناك ردحاً من الزمان فحن لرؤية شقيقه استيبان وكان ستيبان قد انتقل من الأردن إلى لبنان ثم إلى سوريا وكريكور لا يعرف عنه شيئاً ولا يعرف مكان إقامته، أما ستيبان  فكان في زيارة لابنته في دمشق وأخوه لا يعلم.

لقاء الإخوة:
ولأن نار الشوق للقاء الإخوة لا تعرف المستحيلات فلقد عاد كريكور من الولايات المتحدة للبحث عن أخيه استيبان والمفارقة المذهلة أن كريكور لا يعرف إلاَّ الأرمنية والتركية لا غير ومع ذلك فلقد استطاع المرور عبر بوابات مطارات العالم وكل معابر الحدود التي كانت في طريقه وبحث بلا كلل عن آثار شقيقه ستيبان حتى وصل إلى دمشق فعثر عليه شاب من عائلة توباليان واقتاده إلى الدار التي يسكن فيها ستيبان في منطقة باب توما في دمشق.
وكان لقاءً مؤثراً فلقد فتحت له الباب ابنة أخيه ستيبان وضمته وكانت تتحدث بعينيها فلقد بكت وبكت دون أن تتمكن إلاَّ من قول كلمة ... عمّاه.

اجتمع كريكور بشقيقه استيبان وتعرف على العائلة التي كبرت قليلاً فلقد ضمت بين جنباتها الفتاة الصاصونية وأشقائها الثلاثة، فلقد كانت صغيرة وقتذاك ولكنها لا زالت هي هي وعلى ما هي عليه ولم تتغير، فلقد فرحت عندما اكتشفت أن لها قريب في مكان ما من هذا العالم ولديه أبناء وأن العائلة ليست صغيرة إلى الحد الذي تصورته.

وعاد كريكور إلى الولايات المتحدة ومرت السنين متثاقلة وساءت صحة كريكور وتقدم في العمر فطلب من ابنه غازاروس أن يأخذه إلى أرمينيا ليكحّل عيناه برؤياها قبل أن يتوفاه الله فنفذ غازاروس مشيئة والده وذهب به إلى أرمينيا وكانت لا تزال سوفياتية وقت ذاك، ومن فوق الكرسي المتحرك صعق كريكور بالمشهد منذ أن وصل مطار يريفان الدولي، حيث رأى دولة متينة وقوية ومطار دولي وحشد هائل من المواطنين الأرمن فكان يستدير ليسأل ابنه غازاروس قائلا: قل لي يا بني... هل كل هؤلاء هم من الأرمن، وكان غازاروس يجيب والده قائلاً ... نعم يا أبي هم كلهم من الأرمن فلقد تحرر جزء يسير جداً من أرض أرمينيا التاريخية وتم عمل جمهورية صغيرة هي جمهورية أرمينيا السوفياتية كل مواطنيها من الأرمن ويحملون هوية أرمنية وجواز سفر أرمني، والحمد لله فهذا أفضل من لا شيء والفضل أولاً: يعود للكفاح البطولي الذي مارسه أبناء شرق أرمينيا حيث أذاقوا القوات الكمالية الأمرّين وأوقفوا زحفها وشتتوا شملها في  معركة المجد والبطولة سارداراباد  فكوفئوا وصارت لهم دولة مستقلة، وثانياً:  للاتحاد السوفياتي الذي حزم أمره معتبراً أن أي اعتداء من أية جهة كانت على أراضي أرمينيا يعتبر اعتداء مباشراً على كل أراضي الاتحاد السوفياتي، فحمى الأرمن السوفيات، والسوفيات، الأرمن من الفناء.

كان كريكور يعتقد بأن الأرمن هم من بقي من سوقية كابان التي سيقت إلى دير الزور ليواجه أفرادها الجوع والعطش وحراب وسيوف وعينيات الهمج والرعاع من الكرد وسادتهم الأتراك وقتذاك وقد فوض الأتراك الكرد بممارسة الإبادة المروعة والغير مشروطة بحق شعب هو من أرقى شعوب السلطنة العثمانية وهو الشعب الأرمني الذي دعيّ بالملّة الأمينة والوفية والصادقة.

فاستغرب وجود هذا الحشد من الأرمن في مطار يريفان الدولي، ولم يرشده ذهنه وهو الرجل المتقدم في العمر إلى أن الناس في تزايد مستمر وأن الحياة مستمرة ولا تتوقف رغم سيوف الرعاع وهمجيتهم.

توفي كريكور عن عمر يناهز السابعة والتسعون، وتدخلت مصاعب الحياة فانشغل كل في مشاغله وعادت الأسر لتدخل دورها وتغلق الباب وتوصده بإحكام، ولكن الدور لا تبقى موصده فإرادة الشباب تفعل المستحيلات وهناك من اكتسب في خصائصه الوراثية مكونات عائلة كرجليان التي لم تعرف إلاَّ السفر والترحال فطرق هذا الدرب من بابه الواسع.

تولت الفتاة الصاصونية الإشراف على بعض أوجه النشاط الشبابي في الساليزيان ودير العازرية وتم هناك شحذ خبرتها وانخرطت في نشاطات رسل المحبة الدينية والنشاطات الكشفية والتعليم المسيحي وكانت تشرف على مائتي طالب وتساعد الراهبة نجاة والراهبة جبارة والأب جورج والأب فرح في الأنشطة المسيحية ورعاية الناشئة ... وفي الساليزيان حدثت نقلة نوعية عندما أوفدت الفتاة الصاصونية إلى الجولان وتولت هناك رعاية الأطفال والناشئة ضمن الإمكانيات المتواضعة فلقد كانت لا تملك أكثر من مقر مهلهل له نوافذ محطمة تمارس فيه نشاطاتها الإنسانية وتبقى إلى جانب الأطفال ترعاهم وتقدم لهم كل مساعدة ممكنة وتوزع عليهم التبرعات النقدية والعينية وكانت تتدرب على يد الأب اليسوعي رامي الياس الذي يعود الفضل إليه في متابعة تنشئتها المسيحية وتعليمها التضحية والمحبة والمساعدة في المسيح.

الرسالة:
كانت الفتاة الصاصونية أول من تلقى نظرة كريكور والد غازاروس ورأت دموعه أثناء اللقاء ورأت أيضاً وبالرغم من صغر سنها وقتذاك أنه يحمل رسالة وأرادت أن تخمنْ بأنه يوكل إليها مهمة القيام برسالة أيضاً... فقبلت المهمة وكان ما أرادته هي وما توقعته وحلمت به، ومرت الأيام والفتاة في أنشطتها الكنسية والإنسانية التي تفرعت فذهبت إلى أوروبا  وبريطانيا وزارت فرنسا وإيطاليا والبندقية والسويد وحظيت بالبريد الإلكتروني لغازاروس ابن عم والدتها فكتبت له ولم يجب وطلبت أمها منها الاستمرار والمعاودة ففعلت مراراً إلى أن وصلت رسالة  مقتضبة من غازاروس كريكور كرجليان يفهم منها بأنه اخذ علماً بالبريد الإلكتروني للفتاة الصاصونية وهو يعلم المرسل إليها بأنه طلب من أولاد أخيه في كندا مراسلتها.

كانت بداية مشجعة ومقبولة، وفي النرويج خطر للفتاة فكرة وهي إرسال بعض الصور لغازاروس ففعلت ولم يرد فأعلمته أنها ذاهبة إلى بريطانيا... وتقاطعت الأحداث فلقد حدثت التفجيرات والأعمال الإرهابية في لندن في فترة وجود الفتاة الصاصونية في عاصمة الضباب وخشي غازاروس على ابنة بنت عمه  وانشغل فكره ... فانقلبت الأدوار وبدأ في البحث عنها  وعثر على الفندق الذي نزلت فيه واتصل بها ... وأدى هذا الاتصال إلى فتح صفحة من النشاط الإنساني والموجه إلى أرمينيا مباشرة لأن الرجل يحمل عقيدة ويرعى مبدأ ولقد وجد ضالته في ابنة بنت عمه فكانت له خير معين.

من هو غازاروس كرجليان؟
هو احد عباقرة IBM  الأميركية الذائعة الصيت واسطون الهندسة والرياضيات والمعلوماتية فيها، عمل في الشركة لمدة خمس وثلاثون سنة وأوفد مئات المرات إلى كل دول الشرق الأدنى والأقصى والأوسط وأوروبا وأمريكا الجنوبية وكندا وأوستراليا وتحدث آلاف المرات عن القضية الأرمنية لدرجة أن كل موظفي الـ IBM  سمعوا عن القضية الأرمنية عن طريقه وكذلك كل الناس الذين التقى بهم في مهامه خلف البحار.

زار أرمينيا لأول مرة وهو يقود والده على كرسي متحرك... وزارها في سني الظلمة (Mout Dariner) ونظر إلى آراراد فانجذب إليه في قصة عشق خيالية وأسطورية تشبه عشق الناس لنتائج لمسة الملك ميداس للأشياء، ولكن العشق هذا هو رؤيا ولمسة عين من خلف الحدود، لمسة عن بعد مشفوعة بالحسرة يلتمس فيها الناظر هذا الجبل بقمتيه المقدستين ويتحسر لأن رمز أرمينيا المقدسة يقع بين أيدي المحتل.

وقصة عشق من نوع آخر بطلها غازاروس وبطلتها آني عاصمة أرمينيا التاريخية الواقعة أيضاً بين براثن الأعداء وكل حجر فيها يقول أن الأرمن كانوا هنا وزرعوا المكان محبة وغلال قمح وثمار وكروم عنب، ولكل حجر قصة عشق ومثلها لكل حبة تراب، ورحلوا قهراً وصبراً وقتلاً وتشريداً وبقيت الأطلال وبقيت الكنائس التي دمرها ديناميت الاتحاديين والكماليين من بعدهم، والتي تحولت إلى متاحف الآن، يدفع الأرمن آلاف المشاق للوصول إليها كسياح يحملون جوازات سفر أميركية ويدفعون الرسوم للصلات فيها ولزيارتها وإشعال شمعة وحرقة وبكوة وصرخة ألم لا تفارق الصدور.

مشردون نحن في كل بقاع الأرض وأرضنا مغتصبة مشردون نحن في كل بقاع الأرض والجنة لنا لم نفارقها إلاَّ قصراً وصبراً وبعد أن دفعنا الغالي والرخيص وقتلوا شيبنا وشبابنا واغتصبوا بناتنا ونسائنا وسرقوا أطفالنا وأدخلوهم دور التيتم وغسلوا أدمغتهم فخرجوا بأسماء بديلة وقومية بديلة ودين بديل.

في سني الظلام عندما اقتلع الناس خشب النوافذ ليوقدوا قبل أن يفترسهم البرد كان يجمع التبرعات في أميركا ويباشر توزيعها بنفسه في ما بقي من أرمينيا الجريحة.

في سني الظلام كان يجمع بعض العلماء والأطباء منهم الألمان والفرنسيون والبريطانيون ليذهب بهم إلى أرمينيا لتقديم المساعدة قدر طاقته.

عشق أرمينيا لدرجة أنه نسي اسمه ونسي حقوق نفسه عليه، فبقي عازباً، وأحب معشوقته الأبدية أرمينيا التي لم يألفها في حياته إلاَّ مضطهدة محتلة جريحة منكسرة فرآها اليوم محررة وأبية وشامخة حتى ولو أن غالبية مساحتها لا زالت في قبضة الوحوش، فالمهم أنه تحرر جزء منها  فأحبها إلى درجة العبادة.

تحولت هذه المحبة إلى عشق وعادة، فقرر الرجل أن يقضي عطلاته الصيفية في أرمينيا وجر معه الكثيرين فتحولت هذه المسألة إلى تقليد ورحلات عبر البحار تبدأ ولا تنتهي مثلها مثل الإعانات والتبرعات التي كانت ترافق المسافرين في الذهاب والعودة.

في الزلزال الذي أصاب مدينة لينيناكان (كومري) بذل الرجل غاية جهده في المساعدة على الصعيدين المادي والإنساني، فلقد أتى الزلزال على المدينة بأكملها وخلف الألوف من القتلى والجرحى والأيتام ...

وبذلت كل شعوب الأرض غاية جهدها في تقديم المساعدة ولم يعرف مطار يريفان الدولي حركة إقلاع وهبوط مشابهة لما حدث في تلك الأيام المشؤومة حتى اليوم.

وكان غازاروس كرجليان وأصدقائه من جملة من استنفروا لمواجهة هذا الحادث الجلل وكانوا مع إعاناتهم أول الواصلين إلى عين المكان من الولايات المتحدة، ولقد أرسلت حكومة الجمهورية العربية السورية شحنة هائلة من المساعدات التي وصلت جواً كان لها وقع طيب وأثر جميل يضاف إلى جملة المكارم التي لا تنتهي.

تابع غازاروس بعد ذلك  مهامه الوطنية فلقد كان متنفذاً في الاغتراب وكلمته مسموعة فاستغل نفوذه لإيفاد الطلاب المتفوقين من أرمينيا لمتابعة تعليمهم في الولايات المتحدة وكان يفرض شروطه لأنه كان يساهم في رؤوس أموال الجامعات ويدفع التبرعات ويعتني بتطوير الجامعات وينفق على البحث العلمي، فكان بذلك يملي شروطه وكانت أفكاره غير قابلة للمناقشة بل للتنفيذ بلا إبطاء.

وظهرت قضية ناغورني كاراباخ وهي شطحة خيال من ستالين الذي كان يجلس على مقعده الوثير وخارطة عموم الاتحاد السوفياتي بين يديه ويتسلح بنظرية تافهة اخترعها هو وطبقها بكل صلافة وعنجهية وجهل ، ألا وهي نظرية التمازج الأممي والإقليمي لشعوب الاتحاد السوفياتي حيث عمد إلى اقتطاع مناطق من جمهوريات معينة ألحقها بجمهوريات أخرى، كانت ناغورني كاراباخ إحدى ضحايا هذا الاعوجاج الفكري، وتم ترحيل شعوب من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق ومن أقصى الجنوب تم ترحيلهم إلى أقصى الشمال فعمد إلى ترحيل السكان من بعض المناطق الأرمنية تم ترحيلهم إلى الشمال فماتوا في أصقاع سيبيريا من البرد وكذلك نقل قسم منهم إلى جزر ساخالين على الحدود مع اليابان فمات أغلبهم بسبب اختلاف البيئة والمكونات وندرة أسباب الحياة في تلك الجزر النائية.

ومات الاتحاد السوفياتي وظل الأذربيجانيون يحكمون السيطرة على كاراباخ وفيها ربع مليون أرمني لا يريدون حكم الغريب عليهم ... فثار أهلها وانتزعوا استقلالهم وذهب غازاروس إلى هناك وقدم ما يستطيع من المساعدة وشرب نخب ناغورنو كاراباخ أو أرتساخ كما يحلو لأهلها أن يسمّوها ... وفرح غازاروس فلقد تحررت أرض أرمنية جديدة.

السفر إلى الولايات المتحدة:
اقترح غازاروس على قريبته أن تسافر إلى الولايات المتحدة لتتابع تحصيلها العالي ففعلت وهناك تغيرت النظرة إلى مفهوم العمل الإنساني النبيل والإغاثة فلقد تضافرت جهود الفتاة مع جهود عمها، وكلاهما يحمل في صفاته الإنسانية ومورثاته محبة المساعدة وتقديم العون وزهور المحبة وإغاثة الملهوف، وفكرت الفتاة الصاصونية برافد مادي جديد خاص بها، يساعد التيار المتدفق الذي درج غازاروس على دعمه وتنميته لأن الأعمال الإنسانية تحتاج إلى بحر من المال والمعاونة (طريقة الأيدي المتشابكة)، فاتصلت بأمها في دمشق تطلب منها إرسال المنسوجات الشامية العريقة من ملابس ومطرزات وأوشحة وأقمشة الدامسك والحرائر وأغطية الطاولات والشراشف القطنية والأغباني وما إلى ذلك...

واستطاعت عمل المزادات وطرح فكرة جمع التبرعات من أجل أرمينيا... ولاقت هذه الفكرة نجاح مذهل واشترك آخرون في جمع التبرعات وانضم إليهم طلاب من أصول أميركية لاتينية وانضم كنديون إلى الحملة ونجحت مشاريع التمويل المادية فتم الانصراف إلى جمع التبرعات العينية وللشعب الأميركي طريقة مبتكرة وحضارية في جمع التبرعات العينية... فلقد كان البعض يشتري الملابس من المحلات التي تبيع الملابس التي لم يتم تصريفها في الموسم الجاري بربع القيمة ويسارع إلى تقديمها كإعانة، والبعض الآخر يقدم ملابس مستعملة ولكن بعد إرسالها إلى محلات التنظيف والكوي فيتم تسليمها وكأنها جديدة ورائحة النظافة فيها... ومنشآت طبية تقدم مساعدات عينية من الأدوية والمستلزمات الطبية.

وتكومت شحنة من الإعانات تم تقسيمها على المشاركين بحيث يتحمل كل مشارك نصيبه من الأوزان وكانت حصة الأسد من نصيب الفتاة الصاصونية التي اختارت أن تذهب بالإعانات التي معها إلى دمشق لتضيف إليها إعانات أخرى ومشتريات توقعت أن تحصل عليها من دمشق.

وكان المتحقق يفوق المتوقع فلقد تم شراء المنسوجات والحرامات والقطنيات والشراشف بأسعار الكلفة وبلغت المروءة ببعض تجار الحريقة والحميدية وهم من الأخوة الإسلام أنهم قدموا بضاعة على سبيل الهدية وبدون ثمن ... وقالوا للفتاة الصاصونية: أليست هذه البضاعة ستذهب إلى دور الأيتام والى الفقراء؟ فأجابت: نعم ، فقالوا لها: هذه الأمور محسوبة في ديننا ونحن نرعاها بلا منّة ... اطلبي من الأطفال أن يدعوا لنا فحسب ... وبهذا سيصلنا حقنا.
نصف طن من المساعدات.

وجدت الفتاة الصاصونية نفسها وحيدة أمام نصف طن من المساعدات، وهذا ما تكفلت به وأخذته على عاتقها وهو بالطبع لا علاقة له بنصيب ومخصصات زملائها المتطوعون لخدمة عين الفكرة، وهي لم تألف أو تتوقع بأن يمد أحد يد المساعدة إليها... ففي مطارات الغرب لم يستمع أحد لمناشدتها أو لاحتجاجاتها بأن هذه المواد هي مساعدات إنسانية ستذهب إلى دور الأيتام والى الفقراء وبالتالي فيجب على الأقل مساعدة حامل هذه الإعانات بتخفيض كلفة الشحن واحتساب  أوزان أقل عن طريق إعفاء قسم منها من الأجرة...

وعبث فلقد دفعت أجور الشحن في كل المطارات فسبب ذلك عبئ مالي إضافي، كانت تفكر في كل شيء عدا أن تقلع من دمشق فتصل إلى مطار يريفان وهي مفلسة، فذهبت لمقابلة مطران الأرمن الأرثوذكس في دار المطرانية  وحدثت مفاجأة مذهلة غير متوقعة، فلقد أصغى المطران لمطالبها وظل يسمع لها دون أن يعطي رأيه حتى تملكها شعور بأن مسعاها سائر إلى الفشل لا محالة، خاصة وأن المطران شاب وليست له لحية بيضاء وظنت بأنه منشغل في شأن آخر وهو لا يصغي لها ...

وطلب منها أن تحضر في اليوم التالي فجاءت لتكتشف بأنه حصل لها على إعفاء تام من كافة أجور الشحن الجوية على مجمل المساعدات التي تحملها، وأخذت الحكومة السورية الموضوع على عاتقها، فجنت الفتاة الصاصونية من الفرح وأدركت بأنها ستحتفظ بالمبالغ النقدية التي معها لتستعملها هناك في الأوجه التي أزمعت على استخدامها فيها، وستصل إلى مطار يريفان الدولي وهي غير مفلسة.

في مطار يريفان الدولي:
طالعتها أغنية ...مضيئة أنت أيتها العاصمة ا لجميلة ... زرقاء أنت كسمائك الرقيقة ... حيث يلتقي اثنان ... المجد وأنت... ولي أنا حلم كبير أوحد... هو أن أبقى دائماً في عالمك. يريفان يريفان ... حبي الأبدي ... أنا أمضي وأنت تبقين ...فلتعيشي إلى الأبد.

وتذهب الفتاة الصاصونية لملاقاة عمّها ... والرحلة الجميلة باتجاه المدينة الهدف، وهذه المدينة تتغير كل سنة، ففي الصيف الماضي كان الهدف كومري أو مدينة لينيناكان التي درسها الزلزال في العام 1988، وتمت مقابلة مدير الناحية الذي عرض خيارات متعددة وتم اختيار قرية جرجور وتم تخصيص مقر ومسرح وحديقة وباحة ألعاب ووصل الأطفال للمشاركة في ما يشبه المخيم الكشفي وتمت المباشرة  بإجراء الفحوصات الطبية و تقديم العون الطبي الأولي، وطلب من الأهالي الحضور في اليوم التالي لاستلام المساعدات، فوصلت الأمهات فقط، وبعد السؤال عن سبب حضور الأمهات فقط تبين أن الآباء قد سافروا لطلب الرزق بسبب سوء الأوضاع المعيشية وندرة العمل فترى أغلبهم في موسكو أو في الولايات المتحدة وكندا، وقد تركوا خلفهم أم وأولاد ينتظرون عودة الأب، بالإضافة إلى آباء لن يعودوا أبداً بعد أن غيبتهم الحرب فنالوا الشهادة؟

يسارع غازاروس إلى لقاء الأطفال وتنصيب الإذاعة في المخيم ويسهر على العناية بالجميع، وتعليم الأطفال النشيد الوطني والأناشيد القومية ويغني لهم ويرسم ويلعب معهم الشطرنج ويعلّمهم أن يضعوا يدهم على قلوبهم عند إلقاء النشيد الوطني كل صباح، وتتولى الفتاة الصاصونية ويعاونها مشرفون كثيرون، تعريفهم على تاريخ وطنهم وتعاونهم هي في إصدار المجلة الجدارية وتعنى بوضع صور الشهداء وخاصة من هؤلاء الذين تصادف وجود أبنائهم في هذا المخيم بالذات ومن الذين استشهدوا في الحرب مع أذربيجان أو في الصراع المسلح الذي أدى إلى استقلال إقليم كاراباخ.

الإيحاء:
هناك من يمتلك مواهب موسيقية من الأطفال وقد عرفت الفتاة الصاصونية ذلك وتم تشكيل ثنائي على الكمان وآلة البيانو ... وفي حفلة نهاية المخيم ... كانت الصغيرة التي تعزف على البيانو مريضة وقد أصابتها الحمى... ومع ذلك فلقد تحاملت على آلامها وجاءت لتعزف... جاءت لأن معلمتها الصاصونية أوحت لها بأنها ستشفى إن هي جاءت، وعليها أن تتحدى المرض، الذي يريد حرمان أصدقائها من متعة تذوق موهبتها، واشتركت الطفلة في الحفلة، وجاءت في اليوم التالي قوية ومتماسكة فلقد تم شفاؤها بالإيحاء.

زيارات خاصة:
لا بد أن السائح يفد إلى البلد بهدف السياحة وزيارة المعالم الأثرية، أما بالنسبة للسيد غازاروس وابنة عمه وابنتها فإن الأمر يختلف... لأن الهدف الأول هو المساعدة الإنسانية وأداء الواجب ... وتأتي مسألة السياحة في الحيز الثاني وبالتالي فإن الزيارات إلى الأماكن السياحية تعتبر زيارات خاصة تحدث في الوقت التكميلي وليس الأساسي المسخر أصلاً لخدمة هدف وقضية.

وقد تمت زيارة العاصمة ومعالمها السياحية والأثرية وأبنيتها الحديثة التي تأخذ طابع الأحجار الحمراء البركانية والبازلت الأسود ضمن تشابك هندسي معماري بسيط ومتميز يضيف خصوصية معينة للأبنية، فليس من الصعب عرض صورة لبناء أمام محايد ليقرر بسهولة أن الصورة تم التقاطها في يريفان.

اجميادزين وهي المدينة المقدسة وهي مقصد كل القادمين إلى أرمينيا من الدياسبورا (المهجر)، ولا تتم الزيارة إلى أرمينيا دون أن تتوج بزيارة إدجميادزين وهي الفاتيكان بالنسبة للأرمن ويطيب لغازاروس ومن معه الولوج إليها والصلاة فيها...

أما كنائسها فمبنية بالأحجار الحمراء والرمادية والسوداء تطابق تلك الأحجار التي بنيت فيها كنائس فان وكنائس آني مع فارق وحيد وهو ، أن كنائس أرمينيا الشرقية وادجميادزين منها لا زالت تحافظ على رونقها وبنيانها واوقيانسطاسها وأبوابها ونوافذها ورسومها الجدارية الفنية الرائعة، أما مثيلاتها في فان وآني وعموم الكنائس التي بنيت في غرب أرمينيا فلقد كان مصيرها الإهمال والأذى المتعمد عندما تم كشط الصور المقدسة من قبل فاعلين حاقدين وتم خلع التماثيل من أمكنتها وتم سرقة الأحجار التي ضاع الفنانين في نحتها وتزيينها لتوضع كعتبات أو كلوحات بالمقلوب في المنازل الكردية القروية، وجاء ديناميت الكماليين ليقضي على ما تبقى، ومع ذلك فلقد بقيت بعض الجدران والقبب وبعض الرسوم بقيت متحدية ولسان حالها يقول يفقد الشيء قيمته إذا وضع في غير يد أصحابه ويتحول إلى أداة للعبث.

وزارغازاروس ومن معه نصب الشهداء وهو نصب فيه مسلات منحية تحتضن حوض اللهبة الدائمة الاشتعال والتي تذكر بمليون ونصف شهيد قتلوا صبراً، ويتم الدخول إلى المكان الذي يشبه المتحف، عبر رواق في يوم 24 أبريل نيسان من كل عام يتقدمهم رئيس الجمهورية والوزراء وأعضاء البرلمان وكبار الدبلوماسيين والسفراء وكل المحافظين ومدراء إدارات الدولة وكل زائر بيده وردة يضعها على النصب ليتحول المكان إلى غابة من الورود الجميلة.

وزارغازاروس ومن معه معبد كارني وهو معبد أسطوري منذ العهد الوثني كان الأرمن يعبدون النار فيه، ولهذا المعبد رمز وقدسية هائلين، فعلى الرغم من وقوعه في خط الزلازل فهو لم يزل صامد ببنيانه البديع وروعته الهندسية المعمارية دون أن يتهدم، وفي ذلك رمز وعبرة هائلين ولعموم الشعب الأرمني في الوطن وفي الشتات وتحت الاحتلال، والعبرة الرمز هي الآتي:( كونوا مثل معبد كارني).

وتمت زيارة محطة الأقمار الصناعية ومركز رصد الزلازل وجامعة يريفان، حيث لا بد من اختيار بعض المتفوقين في علوم الكومبيوتر لإيفادهم إلى الولايات المتحدة  لمتابعة علومهم. وكبادرة وفاء، لا يفوت الفتاة الأرمنية الصاصونية السورية الجنسية الآن ومن معها، زيارة النصب التذكاري الذي يشيد بالعلاقات الحضارية والإنسانية المتأصلة التي تربط بين الشعب العربي السوري والشعب الأرمني، تلك الحضارة التي تمتد إلى فترة موغلة في القدم، عندما كانت الإمبراطورية العربية تحكم نصف ممالك العالم من دمشق قلب العروبة النابض والمملكة الأرمنية من بينها، في تلك الأيام السعيدة  كان الأرمن يتمتعون بالسلام والاستقرار، واضطر العرب للانسحاب من أرمينيا لأن العدو صار يهدد أمصار إمبراطوريتهم، وعند الانسحاب كانت هناك مشاعر من الأسى والألم والخوف تنتاب المودعين بعكس ما يحدث في كل حالات جلاء المستعمر المماثلة، لقد ودّع الأرمن محتليهم العرب بالورود، وهذا ليس بالكثير لأنه وبعد انسحاب العرب من أرمينيا خسرت أرمينيا الجيش الذي كان يحميها،و تكالب عليها الروم من الغرب والفرس والأذر والغز من الشرق وأبادوا معظم شبابها ثم افقدوها استقلالها وسلبوا أراضيها وفي العـ1915ـام تم ذبحها من الوريد إلى الوريد.

واليوم يتم بناء نصب تذكاري جميل وبالحجر البركاني الأحمر يتوسط أهم شوارع العاصمة يريفان، يختزل مجمل العلاقات الإنسانية بين الأرمن والعرب والتي سبق شرحها، وهذا النصب هو عرفاناً بالجميل وإقراراً بالمحبة حيث لقي الأرمن كل الحفاوة والتقدير والرحمة والمساعدة والإحسان من الشعب العربي عامة والشعب العربي السوري خاصة الذي قبل مقاسمة اللاجئين الأرمن كسرة الخبز والزاد إبان محنة تشريدهم واجتثاثهم وإبادتهم من قبل العثمانيين وخلفاؤهم الشرعيين عصابة الاتحاد والترقي وصمة العار على جبين الإنسانية، وسيتم نقش ما يفيد بذلك على قاعدة التمثال.

ونظم الأستاذ عبد الكريم اليافي أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق أربعة أبيات من الشعر تعكس بصدق ما تحتويه قلوب الأرمن من مشاعر الحب والامتنان تجاه الشعب العربي عموماً والشعب العربي السوري خصوصاً الذي ساعد الأرمن في اجتياز المحنة وضمد جراحاتهم وأعطاهم حق العمل والحياة الكريمة وحق التملك، والتعلّم والعبادة والمواطنة الكاملة ومنحهم الكنيسة والمدرسة والهوية وجواز السفر، وستلحظ هذه الأبيات الأربعة على قاعدة النصب وهي التالية:
 
تحيات الوفاء تُزّف عطراً        لأهل الشام يحملها الزمان
تلقوا بائسين فأسكنوهم          جوانحهم وما ضاق المكان
وما الإنسان إلاَّ                  أخ في الكارثات فلا يهان
وهذا النصب عرفانٌ وذكرى    وحب في القلوب لهم يصان
 
وينتهي فصل الصيف
ويغادر غازاروس ومن معه أرمينيا على أمل العودة في العام التالي وتحقيق ما لم يتم تحقيقه من قبل، الفراق صعب ولكن هناك ما يبعث على السرور... لقد تم أداء الرسالة فيما يخص هذا العام وتم أيضاً التخلص من الأحمال الثقيلة والأرق وتوقع الأسوأ وعناء تحمّل المسؤولية المرافق لأداء هذه الرسالة ... العودة الآن هي بلا أثقال ولا أحمال فلقد تم ترك الحمولات هناك في لينيناكان (كومري) بالنسبة لهذه السنة على الأقل ومن يعلم أين يتم التخلص من هذه الأحمال في العام الذي يليه.

  

  

صباحات مطار يريفان الدولي:
ولأن كل سفرات المغادرة تكون في الصباح فها نحن من جديد في مطار يريفان الدولي... ومكبرات الصوت في المطار تردد... مضيئة أنت أيتها العاصمة ا لجميلة ... زرقاء أنت كسمائك الرقيقة ... حيث يلتقي اثنان ... المجد وأنت... ولي أنا حلم كبير أوحد... هو أن أبقى دائماً في عالمك
يريفان يريفان ... حبي الأبدي ... أنا أمضي وأنت تبقين ...فلتعيشي إلى الأبد.

البريد الالكتروني لغازاروس كرجليان:: gkerjilian@yahoo.com
البريد الالكتروني لآرا سوفاليان: ara@scs-net.org:

الأبجدية الجديدة
 

طباعة المقال إرسال الى صديق    عــودة

تعليقات القراء

شاكر دخل الله
ربما المذابح لقتل الناس وابادتهم لكننا نرى أن التاريخ يحفظهم المذابح لن تستطيع أن تمحي الشعوب
steve apelian
Dear Ara
thank you for the lovely article you wrote .thank you for introducing us Ghazaros Gerjilian.An armenian Tiger Alion of Sassoun as they say.may god bless you and we do promise to follow in his steps as the lady said.

عاصم سكرية
لا بد من التدقيق في بعض الأحداث يوجد التباس
ليزا
كل اللي بقدر قولو انا بكيت
و نيالون ستيبان و كريكور لانو قدروا يحافظو عااصولون الارمنية و ضلو ارمن بوقت انو في ناس انا بعرفون بيموتو كل يوم الف موتة ليرجعو ارمن وانا للاسف ما بيطلع بايدي اعملون شي

آرا سوفاليان
شكراً للموقع ... هناك قطعة موسيقية تتعلق باغنية يريفان (مضيئة أنت أيتها العاصمة الجميلة ... زرقاء أنت كسمائك الرقيقة ... حيث يلتقي اثنان ... المجد وأنت... ولي أنا حلم كبير أوحد... هو أن أبقى دائماً في عالمك
يريفان يريفان ... حبي الأبدي ... أنا أمضي وأنت تبقين ...فلتعيشي إلى الأبد.) يمكن ارسالها لمن يطلبها مع العلم أنها بسيطة الحجم 40 كيلو بايت تقريباً وهي من عزف وتوزيع آرا سوفاليان وبلاحقة الميدي midi... ارسل ايميل الى ara@scs-net.org وضع في السابجيكت yerevan وستصلكم على الفور

MARVANSS
زميلي آرا، اضم صوتي الى اصوات كل الارمن الذين يطالبون بحقوقهم من تركيا وفي ان ينزعوا اعترافا دوليا من الامم المتحدة تُحمل تركيا مسؤولية الابادة التي تعرض لها الارمن سنة 1895 و 1915 . ولكن بأي حق خولت قلمك ان يتهجم على الكرد وتكتب ان الارمن كانوا عرضة لسيوف وحراب الكرد الرعاع والهمج وسادتهم الاتراك، وليكن بمعلومك لم يكن الاتراك البتة اسيادا للكرد كما ان ذمة الاكراد بريئة تماما من دم اخواننا الارمن والاعتراف الذي اقرته الجمعية سنة 2001 بأن الاتراك هم المسؤولون الاول والاخير عن مجازر الارمن وارجو ان يكون منصفا في كشف المتاجرة الدولية بقضية الارمن كما حدث منذ فترة وجيزة حين ابى اوباما ان يذكر في خطابه ..
Kacchichian A.
Dear Ara
may god bless you and we do promise to follow in his steps as the lady said.


أضافة تعليق
الأسم:
الإيميل:
رمز التحقق: CAPTCHA Image
التعليق:

شروط التعليق
  • المشاركة لا تتجاوز 500 حرف.
  • المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
  • يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
  • يهمل كل تعليق يقدح بشخصيات بعينها أو هيئات.
  • تهمل التعليقات المتسمة بروح الطائفية والعنصرية أو التي تمس بالذات الإلهية أو تمس المعتقدات الدينية.
  • تهمل التعليقات التحريضية والتعليقات التي تتضمن تهديدات لشخص او لجهة معينة.
  • تهمل التعليقات التي تتضمن ترويجا لجهات أو هيئات أو لأشخاص بعينهم.
  • تهمل التعليقات التي تتعرض للكاتب وشخصه في مقالات الرأي أو التحليلات أو تقارير المراسلين.
  • يهمل التعليق المتضمن ملاحظات حول إدارة التعليقات أو ملاحظات أخرى عن الموقع بعيدة عن الموضوع المختار للتعليق عليه، حيث أن مثل هذه الأمور لها بريدها الخاص
  • الموقع عربي فلا تنشر إلا المشاركات المكتوبة باللغة العربية.
أعداد سابقة

شاركنا على الفيسبوك
الأبجدية الجديدة

إشترك في نشرتنا
ادخل بريدك الإلكتروني هنا

يومية الأبجدية
شباط 2012
      1234
567891011
12131415161718
19202122232425
26272829      

تصويـــت

ما هو رأيك بدمج محافظتي دمشق وريفها بمحافظة واحدة؟
أؤيد بشدة
أعارض
أؤيد دمشق الكبرى، أي المدينة الحالية مع حلقة إضافية بقطر 10 كم او أكثر

   

درجات الحرارة
دمشق
اليوم 2 10
غداً 2 13
حلب
اليوم 0 11
غداً -1 11
اللاذقية
اليوم 6 13
غداً 4 16
حمص
اليوم 2 9
غداً 2 11
درعا
اليوم 6 12
غداً 6 14
القامشلي
اليوم 1 11
غداً 1 11
صورة من الأقمار الصناعية
© 1995 - 2010 جميع الحقوق محفوظة لشركة الأبجدية
الرئيسية | من نحن | إشترك معنا | إتصل بنا | إعلن معنا