لم يتسن لي الخروج من البيت، منذ ليلة رأس السنة بسبب وعكة صحية لازمتني طيلة الأسبوع الأول من العام الجديد، حيث تابعت خلاله ما يجري في غزة عبر شاشة التلفزيون متنقلاً من فضائية لأخرى، لعلني أسمع خبراً يزيل تلك الغمامة السوداء التي تلف المكان من حولي، إلا أنني لم أسمع سوى أخبار الدم والدمار.
فرأيت الأطفال والنساء والشيوخ وقد مزقت أجسادهم صواريخ الحقد الصهيوني، والدماء تسيل في شوارع غزة، ومازالت تسيل بغزارة، رغم الاحتجاجات والمظاهرات الغاضبة التي عمت دول العالم.
رأيت العرب على شاشات التلفزة يكثرون من الكلام.. يحللون.. يضربون.. يطرحون.. ثم يقسمون.. وفي النهاية لا يجمعون إلا على كلمات الأسى والندب واللطم، بينما غزة تئن تحت ضربات الصهاينة.. برابرة هذا العصر.
خرجت من البيت نظرت من حولي فلم أشاهد إلا قلة قليلة من الناس تمشي في شوارع الحي الذي أسكن فيه، والمحلات خاوية من الزبائن، وكأن هناك منع تجول، ركبت في باص البلدية متجهاً إلى القصر العدلي بدمشق، فرأيت الوجوم والأسى والحزن يخيم على وجوه الركاب، سمعت راكباً من حولي يدعو بالنصر لأهل غزة، وأخر يلوم صمت العرب.
ويسأل أخر بمرارة عن جدوى تلك الأسلحة التي تكدسها الجيوش العربية.. وعن مغزى استمرار ضخ النفط العربي إلى تلك الدول التي تدعم العدوان الصهيوني!!؟؟
وعلى امتداد شارع النصر الذي يكتظ عادة بالناس، إلا أنه في هذا اليوم كان هادئاً إلا من قلة قلية من المارة تبدو وجوهها شاحبة كئيبة، حركة السيارات خفيفة وتبدو المنطقة في حالة سكون، لا يخرقها سوى تلك الأصوات التي تأتي من الأكشاك والمحلات المتوضعة بجوار مقهى الحجاز ومؤسسة الاتصالات، اقتربت من أحد الأكشاك التي اعتدت المرور بجانبها يومياً، وسألت صاحبه الذي يدعى ياسر: شو القصة صوت مارسيل خليفة عالي اليوم عندك؟ فأجاب كنا قبل العدوان على غزة نروج لأغاني الطرب والفرح من أجل بيعها، أما الآن، حيث العدوان الصهيوني مستمر على غزة، فلم يعد مقبولاً لا إنسانياً ولا وطنياً أن نروج لأغاني الطرب في الوقت الذي نشاهد فيه مشاهد قتل الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين التي تأثرنا بها جداً، فلم يعد فينا مكان للفرح أمام صور أشلاء الأطفال التي تتراءى أمامي على مدار اليوم.. فكيف لي أن أسمعَ وأُسمِع أغاني المرح والطرب بعد ذلك".
أما المشهد في قاعة المحامين في القصر العدلي بدمشق، فقد كان حزيناً، وجوم وحزن خيم على وجوه المحامين الجالسين إلى الطاولات، ولاتسمع غير كلمات الغضب مما يجري في غزة، وبعض المحامين يدعو إلى دعم صمود أهلنا في غزة بكل السبل المتاحة، وآخرون يطالبون برفع دعوى قضائية على الحكومة الإسرائيلية لارتكابها جرائم حرب وإبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة..
وفي سوق الحميدية المعروف بكثافة زواره، بدا قليل الحركة، وأصحاب المحلات يتابعون أخبار غزة من خلف أبواب محلاتهم الموصدة.. دخلت أحد محلات الألبسة فوجدته خالياً إلا من صاحبه وبعض العمال وقد تسمرت عيونهم أمام شاشة معلقة على جدار المحل لمتابعة ما يجري في غزة.. سألت صاحب المحل ويدعى أبو حسين عن حركة البيع والشراء، فأجاب متنهداً : " كما ترى فالحركة قليلة جداً، ونحن على هذه الحالة منذ أن قامت إسرائيل بالاعتداء على قطاع غزة، خسائرنا كبيرة، ولكننا نتألم لما يجري في غزة، ونحن نتحمل خسائرنا، أما استمرار سقوط الضحايا في غزة فلا نستطيع أن نتحمله، وندعو من الله أن يفرج عنهم قريباً ويتم وقف العدوان..". وفي الجانب الأخر بدا محل بيع البوظة المشهور خالياً من زبائنه، وهو الذي اعتدت رؤيته مكتظاً بزبائنه المحليين والعرب والأجانب.
في طريق العودة إلى البيت عرّجت على الدكان القريب من منزلي لأشتري علبة سجائر، سألت صاحبه السيد غطاس الجوابرة البالغ ستين عاماُ ونيف من العمرعن أخبار غزة، فأجابني لا جديد سوى المزيد من الضحايا والدمار والخراب، فقلت له إذا أعطني علبة السجائر، فقال: ألا تريد أن تسمع ما كتبته اليوم حول غزة؟ ثم أخذ يتلو أمامي تلك الكلمات وكأنه يلقي قصيدة في جمع أو مظاهرة:
أرعدتْ حقداً وأمطرتْ ناراً فتناثرت أشلاءً وأزهقت أرواحاً.. شباباً شيوخاً.. أطفالاً ونساءً.. إرضاءً لإسرائيل... وليس هناك من يسمع الّرعد الثائر ولا من يرى المطر الهادر.. وكلٌّ في هواه سائر.. يحارب فوق المنابر، يميت الثورة في الصميم.. يسعى لتخدير الضمائر..
أين أنت يا أخي ؟ أجساد ممزقة وقد تراها بغير مجهر، أخاك رهن الموت جاثٍ وأنت في الحانات تسهر.. ربما كُنتَ الذي تلقى الدمار بفتك أشهر ممعصمٌ حمل الغزاة.. وقالب جمع الطغاة.. بدأو بحرق الأرض جهراً تحت أقدام الثكالى بأرض غزة والعراق.. علمهم نحن شتات..هل تطول الأمنيات؟ نحجب الطغيان بالصمت المخيف، أم بقرع الطاولات؟ إننا عربٌ أبات.. نرفض الذل، فالكرامة تقتضي شرف الحياة أو الممات...
ميشال شماس المصدر: (كلنا شركاء) إرسال الى صديق عــودة
|