توطئة: أشرنا في الحلقة السابقة إلى بعض المناحي التي أبدى الاغتراب العربي فيها تفوقاً متميّزاً على الصعيد الأُسري في جمهورية الدومنكان، منوهين بأن هذا التفوق جاء شاملاً لسائر المجالات الحياتية من اجتماعية واقتصادية وعلمية.. وإذ تحدثنا عن مواقع ريادية في حقول التجارة والصناعة والزراعة والخدمات أيضاً، تبوأتها عائلات عربية شاركت في بناء الصرح الاقتصادي للبلد، ينبغي ألا تفوتنا فرصة الإشارة إلى انه ما إن توفرت لها أبسط الظروف حتى عمدت الجالية العربية في جمهورية الدمنكان إلى تأسيس منظماتها الاجتماعية والخيرية والثقافية أيضاً، من خلالها يسهرون على استمرارية التقاليد الموروثة عن السلف عبر نقلها إلى الأجيال الجديدة من أبنائهم.
ندوة تاريخية: شأنهم شأن سائر الجاليات العربية في المهجر، فإن أبناء جاليتنا في الدومنكان، أوسانتو دومنغو، كما يُشار إلى ذلك البلد من خلال عاصمته، لم تخبُ فيهم جذوة الحنين إلى الوطن، ورغم فاصل الزمان والمكان لم ينسوا همومه، بل وما زالوا شغوفين به وما زالوا حافظين لعهده.. هذا القول تزكيه (جمعية التآخي) التي أنشأها المغتربون العرب لتمتين أواصر الود والتواصل بينهم وبين أبناء البلد، الذين اتخذوا منه وطناً ثانياً، فلقد دأبت هذه الجمعية على رعاية أنشطة ومناسبات هدفها التعرف بتراثنا الثر وحضارتنا التليدة ونضالاتنا من أجل استعادة الأمجاد الغابرة، وتمكين أمتنا من تبوّء المكانة اللائقة بها في التاريخ والحقبة المعاصِرَين. هكذا، وانطلاقاً من هذا المبدأ، تحفّزهم نشوة النصر الذي حققته حرب تشرين التحريرية، وما رافقها من مواقف تضامنية مشرّفة.. جاءت برهاناً يؤكد للعدو والصديق، انه رغم تداعيات الزمن وصروفه، ورغم محاولات التفرقة والتضليل التي يقوم بها الأعداء الامبرياليون والصهاينة، يظل العرب كتلةً واحدةً، شعباً واحداً، أمة واحدة ذات رسالة خالدة.. وفي أعقاب تلك الحرب المجيدة، دعا القيّمون على "جمعية التآخي" الأديب والسياسي البارز "هوان بوش" إلى ندوة يحاضر فيها عن مشكلات الشرق الأوسط، وخاصةً (الصراع العربي الصهيوني) ومسألة النفط.
من هو هوان بوش؟! هوان بوش أديب مشهور على مستوى أمريكا اللاتينية، يحتل مرتبة طليعية بين مثقفي بلاده -جمهورية الدومنكان- بل ويضعه البعض في مقدمة كتّابها.. إلى جانب رشاقة في الأسلوب وجزالة في اللفظ اللين تُشكّلان ميزته الأدبية، اتصف هوان بوش السياسي بكونه تقدميَّ النزعة والفكر، وبوطنية خالصة مهرت مسيرته الطويلة كمناضل مناهض للامبريالية. تولى السدّة الأولى في بلاده في بدايات عقد الستينيات من القرن الماضي، إلا أن عهده لم يدم أكثر من ثمانية أشهر، إذ قوّض به انقلاب رجعي دبرته الاوليغاركية المسيطرة بدعم من «الستايت ديبارتمنت» (وزارة الخارجية الأمريكية) والـ (CIA) وكالة المخابرات المركزية، أكبر أجهزة التجسس والتآمر على الشعوب في الولايات المتحدة. هنالك ميزة أخرى اتسم بها هوان بوش، وهي تأييده القضايا العادلة، ومن هنا.. تأتي نصرته لقضية العرب الأولى، القضية الفلسطينية، إلى جانب ما كنّه من إجلال وإكبار للتراث الحضاري العربي، كما تجلى في رده على الدعوة التي وصفها بأنها تشرّفه، مقترحاً إلقاء أربع محاضرات لأن الإحاطة بموضوع على هذا القدر من التعقيد والأهمية، تستحيل في إطار محاضرة واحدة.. وهكذا فقد أُلقيت المحاضرات الأربع خلال آب من عام 1975، وذلك تحت العناوين التالية: 1- الإمبراطورية العربية منذ تأسيسها ولغاية نشوء الإمبراطورية العثمانية التي حلّت محلها. 2- إطلالة عدد من الأقطار العربية على الحياة المستقلة، كنتيجة لتفكك الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب الكونية الأولى. 3- أقطار عربية أخرى تنعم بالاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا إلى جانب ظهور دولة إسرائيل. 4- الدور الذي لعبه النفط في سياسة البلدان العربية في الشرق الأوسط.
تحوّل المحاضرات إلى كتاب: مما يجدر ذكره، أن هذه المحاضرات كلها أُلقيت شفهياً، لكن من حسن الحظ أن "جمعية التآخي" سجلتها على أشرطة ما لبثت، ولو بعد مدة طويلة (15 عاماً ونيف)، أن استُنسخت لتظهر في كتاب بعنوان: "تاريخ مختصر للشعوب العربية" جاء في /180/ صفحةً، ووصفته دار النشر "ألفا أوميغا" التي أصدرت طبعته الأولى عام 1991، بأنه كتاب في غاية الروعة.. سواء كان من حيث ما حواه من سرد تاريخي لتراث شعوب فائقة الأهمية، أم من حيث جمال أسلوبه الأدبي وإخراجه"، والدار المذكورة قائمة في سانتو دومنغو، إذ نشير إلى أن هذا الكتاب جاء خاتمةً لمؤلفات الأديب الذي رحل عن هذا العالم سنة 2002، ننوّه بأن طبعةً ثانيةً صدرت له في العاصمة الفنزويلية كاراكاس عام 1992، كما صدرت عنه طبعة ثالثة عام 1996، وكان ذلك في عاصمة الدومنكان نفسها.
في أولى محاضراته أكد ذلك النصير لقضايانا المصيرية، بأن لغة القرآن هي أروع فنّ ابتكره العرب، إذ حالت طبيعة حياتهم دون تطوير الفنون التشكيلية من رسم ونحت، كما تساءل عما تعنيه عبارة: "الشعوب العربية" ليجيب: "إنها تدل على عرق واحد، أي إن الشعوب العربية كلها تنتمي إلى عرق واحد، ولها لغة واحدة وتقاليد مشتركة وإقليم مشترك".
نأمل أن يسعفنا الحظ -في مناسبة لاحقة- بتقديم عرض وافٍ لهذا الكتاب، ثمرة الندوة التي شهدتها قاعة المحاضرات في معهد "دون بوسكو" في عاصمة الدومنكان، تلبيةً لدعوة وُجهت من قِبل أدباء مغتربين، نذكر منهم: الدكتور رافائيل كاس أكتع، والدكتور لويس غونساليس قنواتي، والمجاز هورهي جبارة ناصر والمجازة زاهرة جابر.. قبل اختتام هذه الحلقة نود الإشارة إلى نبذة تحدث عنها المؤلف بإعزاز، وتتعلق بموقف جريء لأديب عربي مغترب في موطن بوش.
مأثرة.. لا تُنسى: في المقدمة التي استهل بها اللقاء الأدبي، كرّس المفكر الكبير بوش محاضراته لتكريم ذكرى أديب عربي من فلسطين، كان قد اعتنق جنسية بلاده، وهو «آخيل نمر» الذي قال فيه: إنه فلسطيني بسبب مولده في الديار المقدسة، وهو دومنيكي لأنه عاش في جمهورية الدومنكان، حيث سطع نجمه كأديب وكاتب، بعد الإشارة إلى اعتزازه بصداقة ذلك الإنسان العربي الفذّ، عزا المحاضر سبب ذلك التكريم إلمأثرة إجترحها الأديب نمر عام 1919، أثناء انعقاد المؤتمر سيئ السمعة في "فرساي/فرنسا"، حيث تولى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنئذ "وبدور ويسون" مهمة توزيع حصص الدول الأوروبية من الأقاليم الآسيوية والإفريقية التي قررت تلك القوى الجبارة إرضاخها للاستعمار الغربي . نظراً لأن «ولسون» هذا بصفته نزيلاً في «البيت الأبيض»- كان عام (1916) قد أمر قواته من "المارينز" باحتلال جمهورية الدومنكان، حيث ظلّ المحتلون جاثمين على صدور ذلك الشعب لغاية عام 1934، بدر عن مغتربنا العربي -الذي وصفه الأديب بوش، بشاب شجاع مفتول العضلات- موقف سجّله تاريخ البلد الكاريبي بسطور من ذهب، إذ انبرى للحاكم اليانكي صارخاً في وجهه: "أيها الرئيس ولسون، هلّا تذكرت جمهورية الدومنكان؟؟". تلكم هي مأثرة ابن فلسطين، الباب الذي صال وجال في ميادين الأدب، تضم إلى مآثر مواطنيه الذين يصولون ويجولون اليوم في ميادين النضال، كيما يحتلون موضعهم تحت الشمس، وفي كنف أمتهم العربية التي لن تركع.. ولو بدت في هجوع.
توفيق حمد الفقيه
إرسال الى صديق عــودة
|