توطئة: كنا قد اشرنا في الحلقة السابقة إلى الاغتراب العربي في جمهورية الدومنكان التي تأسست عام 1844 واستمدت الاسم من عاصمتها «سانتو دومينغو» والآن نود -قبل متابعة الموضوع أن نستميح القراء عذراً لنورد لمحة تاريخية عن أول ارض رست سفن كولومبوس في سواحلها عند وصولها إلى العالم الجديد في الشهر الأخير من عام 1492. وتلك الأرض هي عبارة عن جزيرة في البحر الكاريبي اسماها الملاح الايطالي «لا اسبانيولا» أي –الاسبانية- في حين أن اسمها الأصلي هو"كيسكيا Quiskveya". بعد فترة من الاحتلال الانكليزي أولاً والفرنسي ثانياً استعادت اسبانيا قسماً من الجزيرة وهو الشرقي الذي تشغله اليوم جمهورية الدومنكان في حين احتفظت فرنسا بالجزء الغربي وفيه تقوم الآن أول دولة نالت الاستقلال في القارة الأمريكية وأول "دولة زنجية" في التاريخ وبها نعني "جمهورية هاييتي" وإذ تنطق الأولى بالاسبانية اعتمدت هذه لسان المستعمر الفرنسي لغة رسمية أما اللسان المتداول فهو "الكريول Creole" أي اللهجة البلدية وهي مزيج من لهجات افريقية ولغات لاتينية. لئن كان الحصن الذي بناه كولومبوس هناك من أنقاض إحدى سفنه مؤشراً لبداية الاستعمار الأوروبي للقارة التي أسميت فيما بعد "أمريكا" فان جلب ملايين الزنوج الأفارقة إليها عن طريق الشراء أو الخطف على أيدي النخاسيين والقراصنة سجل بداية عهد الرق في العالم الجديد ومما يستحق التنويه أن ذلك تم في أعقاب أنقاض عشائر- كاريبي- الهندية نتيجة استغلاله الجائر في المناجم والزراعة وهذه فكرة خطرت على بال الأسقف الاسباني المرافق لكولومبوس "بارتولوميه دي لاس كاساس" إذ دعا إلى استبدال الهنود بالزنوج، الذين لم يكن يعتبرهم من بني البشر.
العرب في أرض الدومنكان: حسبما يؤكد المؤرخ "اورلاند اينوا" فقد اتسم الحضور العربي في ارض الدومنكان بالانسجام الودي والخلاق، وذلك منذ بدايته في أواخر القرن التاسع عشر وعبر كل مراحله.. وأسوة بما تميز به الاغتراب العربي في سائر أقطار العالم الجديد وكانت التجارة الجوالة أول عمل يمارسه المغترب حيث الوفادة وذلك لان هذه المهنة تتيح الكسب المادي لمتعاطيها فور وصوله إلى البلد المضيف وهي لا تحتاج إلى مراس ولا إلى معرفة بلغة البلاد على حد تعبير الكاتبة والمؤرخة "اليسكا ناف" صاحبة العديد من الدراسات والبحوث حول الاغتراب العربي في أمريكا والتي نوهت بأهمية النظام التجاري الرائد الذي أوجده البائع العربي المتجول في ذلك الجزء من العالم.
التعاون أساس الازدهار: تنوه الشهادات الواردة من مختلف المصادر بخاصتي التعاون والتعاطف كسمة مميزة للمغتربين العرب في سائر الأقطار. وللدلالة على ذلك يشار إلى السند الذي يلقاه المهاجرون فور وصوله إلى المغترب إذ يتزود من متاجر مواطنيه بما يحتاجه من بضاعة يقوم بتصريفها عبر تجواله في شوارع المدن والقرى ليسدد أثمانها على دفعات. كمثال على هذا النمط من التعامل تشير الدراسة المدونة في موقع الانترنت إلى انه عندما أسست أسرة خوسيه ظاهر الاقرع معملاً للأحذية في مدينة سان فرانسيسكو دي ماركوريس، راح المغتربون العرب يقتنون هذه الأحذية كما أن الباعة الجوالين طافوا بها أرجاء البلاد في عربات وصلت إلى التخوم. وتذكر السِّير أن هذه الصناعة التي أنشأتها أسرة الأقرع ازدهرت بشكل مكنها عام 1940 من إنشاء مدينة عصرية للجلود راحت توفر هذه المادة لمعملها وغيره من الإنشاءات المعنية بصناعة الحذاء علماً بأن مصنع آل الأقرع كان المزود الوحيد لمحلات أسرة عربية أخرى تفوقت في المجال الاقتصادي وهي أسرة "لمع".
احتكار سوق الاستيراد والتصدير: الدليل الأزرق كتاب سنوي درج على إصداره الناشر "خ.ب بيريليو" أورد عام 1914 لائحة بأسماء تجار ومحلات استيراد وكانوا بغالبيتهم العظمى من العرب برزت بينهم عائلات شبيب وضومط وفضول وبدوي وزوين وظاهر وجبيرا وحداد وخوري واستمرت اللائحة إلى أن وصلت إلى الرقم 24. ومثل هذه الظاهرة يتجلى في مدينة موكا حيث بدا التجار العرب في طليعة المتعاطين بعمليات الاستيراد والتصدير، وفي هذا المجال تألقت أسماء للعديد من العائلات مثل عيسى وعازار والباب ودباس وكرم ورزق وطقطوق وغيرها.
ولوج مجالات التصنيع: في بلدة "فيلا اسميرالدا" أقام سنتياغو ظاهر منشأة لتلبيس الإطارات المطاطية فيما عمد عربي أخر من الجيل الاغترابي الثاني- هو هوليو طنوس إلى تأسيس معمل للاسطوانات الموسيقية ليستحيل إلى رائد لهذه الصناعة على مستوى القطر الكاريبي بأسره. وبدوره ابرم إبراهيم عربجي مع بلدية "لاس ماتاس دي فارفان" عقداً قام بموجبه بتزويد تلك المحلة بالتيار الكهربائي وقد تواصلت تلك الخدمة سنوات عديدة إلى أن ربطت البلدة بالشبكة العامة لشركة الكهرباء الدومنكية. في العام 1920 أنشأت أسرة معريب معملاً للجليد في سان بيدرو دي ماكوريس مما شكل إسهاماً عظيماً بالنسبة لتلك المدينة التي كانت تستورد هذه المادة الضرورية في بلد شبه مداري والسنة المذكورة شهدت مساهمة عربية أخرى في دنيا الاقتصاد، حيث انشأ خوسيه (يوسف) لمع، مصنعاً للأحذية باسم (لاانتيانا) وأقام بجانبه منشأة لدباغة الجلود. قبل ذلك بسنين قليلة عام 1912 كان نجيب الأقرع قد بنى في مدينة سانتيشس معملاً للقمصان عمد إلى جلب مستلزماته من ألمانيا وذلك يعود لصداقات تربطه بالعديد من الطلاب أبناء تلك الدولة أثناء دراسته الجامعية في بيروت وقد استغل الأقرع وجود سكة الحديد ليوزع منتجات مصنعه في مختلف أنحاء البلاد لا سيما مقاطعة سيباو. وبدورها أقامت أسرة الهزيم مصنعاً آخر للقصمان في "سان بيدرو دي ماكوريس" حيث تعهد بتغطية احتياجات مصنع السكر القريب من المدينة من هذه السلعة وفي الوقت نفسه قام الإخوان أنطون بتأسيس مصنع مماثل في العاصمة "سانتو دومينغو" وفي عام 1912 أيضاً برز خوسيه (يوسف) كنعان كأهم ضمّان لمواسم التبغ في مقاطعة "سيباو" واكبر مصدر للكاكاو في ذلك الأقليم وذلك في إطار ولوج الجيل الثاني من المغتربين ميدان الاتجار بالمنتجات الزراعية. هكذا استهل بدوي ضومط الاتجار بمادة الأرز اعتباراً من عام 1920. صناعة السكر تستهوي المستثمرين: وبدورها استهوت الصناعة السكرية المستثمرين العرب وفي هذا المجال يروي الدكتور "انطونيو زغلول" حكاية والده مع هذه الصناعة وهو الذي بدأ حياته المهنية كتاجر جوال ثم استقر في متجر لبيع السلع الريفية وراح يوظف أمواله في اقتناء حقول القصب كيما يبيع محاصيلها إلى معامل السكر إلا أن الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم عام 1929 لم تترك له شيئاً من الثروة التي جمعها. هكذا يقول النطاسي زغلول متندراً: والدي اللبناني الذي استهل حياته العملية بائعاً متجولاً وأصبح من كبار ملاكي مزارع القصب السكري أصبح ثرياً بفضل هذا المنتج الذي كان أيضاً بسبب إفلاسه. أما فيما يتعلق بي -يستطرد الطبيب زغلول- قائلاً: فلقد عشت فقيراً في طفولتي وغنياً في شبابي ثم عدت إلى الفقر نتيجة أزمة 1929.
مجال الخدمات: إذ نشط التجار العرب من جوالة ومستقرين. في المناطق المحيطة بمعامل السكر إستحالوا إلى عنصر مسيطر في السوق مما اقض مضاجع التجار المحليين أبناء البلاد الأصليين وقد اكتسبت براعتهم واستقامتهم في التعامل شهرة تداولتها الألسن في المجالس مما حدا بمالكي بعض مصانع السكر إلى خصهم بامتيازات لإدارة متاجرهم القائمة في المنشآت التابعة لهم، عن طريق التوظيف أو الضمان. وفي العقد الثالث من القرن الماضي شهدت مدينة "ماغوانا" انبثاق مؤسسة فريدة للنقل قوامها مئة "بغل" وأنشأها هوان (حنا) ميخائيل لنقل المحاصيل وسائر السلع. هذا جرى في جمهورية الدومنكان فيما شهدت الحقبة إياها شيئاً مماثلاً تم في جمهورية التشيلي بأقصى جنوب القارة وعلى سواحل الباسيفيك حيث بادر الفلسطيني عابد خاروف بدر إلى اقتناء ما أراده باكورة أسطول للنقل على السواحل. سفينة من زنة 5500 طن اسماها "بيت جالا" تيمناً بمسقط رأسه وبدأت العمل بين مدينة اريكا التشيلية والعاصمة الأرجنتينية "بوينوس آيريس" بيد أن الحلم لم يتحقق إذ أغرقت عاصفة بحرية هوجاء الباخرة ولما تستكمل إجراءات التأمين. كان ذلك عام 1928 بيد أن العائلة لا تزال تحتفظ ببعض مقتنيات ذلك المركب على سبيل الذكرى كذلك وللجالية العربية في الدومنكان باع طويل في دنيا العلوم والثقافة وسوف يكون هذا موضوع حلقتنا القادمة فإلى الملتقى بإذن الله.
توفيق حمد الفقيه
البعث
إرسال الى صديق عــودة
|