ما أن تدخل بيتها الصغير المعبّأ برائحة الزعتر البري، والنعنع الأخضر، واليانسون، حتى تقرّر في ذاتك أنّك في بيتٍ مميّز، وهاهي بٍطَلتها الخمسينية في مرحلة عمريّة أسمتها (سن الانطلاق)، تقف أمام كتبها تقلّبها وتحكي لنا قصتها، كيف قررت أن تدرس الدكتوراة وتبحث في علوم التاريخ بعد أصبحت في منتصف العمر، ذلك القرار الذي اتخذته في نقطة فصلٍ في حياتها عندما قال لها الطبيب "انتظري أربع سنوات وبعدها إما أنك ستفارقين الحياة أو أن المرض سيزول عنك نهائيا"، هذه الجملة كانت محطة فاصلة في حياتها وهنا قررت أن تعيش لا تنتظر النهاية بل تواجهها، وقررت أنها هي الإنسان الأهم في الحياة ويجب أن تبدأ بأشياء جديدة وأن تعيش الحياة كما يجب أن تعاش.
من هنا استقالت من عملها في السلك التعليمي، واتجهت نحو الدراسات العليا، وحصلت على شهادة الدكتوراه لتقدم أبحاثا تطرق لأول مرّة، ولتنحى منحىً آخر في الحياة الصحيّة، وهي تدرِّس الآن في جامعة دمشق.
حول هذه النقاط وغيرها كان لنا اللقاء المشوّق مع الدكتورة السورية (ماري سركو).
الدكتورة (ماري سركو) سمعنا عنك الكثير نريد أن نسألك عن سر هذا التحول في حياتك وكيف قررت البدء من جديد في الحياة؟ دائما في الحياة توجد محطات توقفك لتسألك نفسك أين أنا الآن؟ ماذا أريد؟ لماذا أنا موجود؟ هل حققت ما أصبو إليه؟ وكانت المحطة التي توقفت عندها فاصلة في حياتي عندما اكتشفت أني أعاني من مرض خبيث وكان ذلك من أكثر من خمسة عشر عاماً، قال لي الطبيب حينها بما معناه أن أنتظر الموت، فلي مهلة أربع سنوات إما أن أنجو من الموت أو أني أتخطى هذه المحنة، وهنا قررت ألا أنتظر موتي فأنا أريد أن أعمل الأشياء التي طالما ظننت أنها صعبة، وحينها كنت أعلّم في المرحلة الابتدائية، وتابعت تعليمي في الجامعة ونلت شهادةً في التاريخ، وانتقلت للتعليم في المدارس الثانوية، وعند اكتشافي للمرض تركت السلك التعليمي واستقلت من الوظيفة، وتابعت دراسات عليا والدكتوراه وحينها كان عمري يتجاوز الخامسة والأربعين، في وقت كان الناس يسمون هذا العمر (سن اليأس) بينما أسميته أنا (سن الانطلاق) فهذه المرحلة من العمر للإنسان هي الانطلاق لأنه يكون قد عرف ماذا يريد ووضع أصابعه على مكامن غاياته وأهدافه في الحياة.
لماذا اخترت دراسة التاريخ؟ وما هي الأبحاث التي قمت بها؟ منذ زمن وأنا أهوى تاريخ المنطقة فأحببت التاريخ القديم وعرفت كم من الحضارات مرّت علينا وصنعناها وهذا ما استهواني في ذلك العلم المشوّق. وتخصصت في دراستي للدكتوراه بالتاريخ الحديث والمعاصر، وتابعت تاريخ منطقة بلاد الشام من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وذلك من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، والتي من افرازات السياسة.
وقدمت بحث عن دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني وهو عنوان كتابي الذي قدم بمناسبة دمشق عاصمة الثقافة العربية، من ضمن سلسلة آفاق ثقافية، وكتابي الثاني عن المعاهدات والامتيازات بين السلطة العثمانية وأوروبا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
بالنسبة لكتابك "دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني" كان مفاجأة لكل عربي كما ذكر أحد الروائيين السوريين، ما السبب في ذلك؟ لقد درست هذه الفترة الزمنية من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، وهي فترة لم تؤرخ قبل الآن أبداً لا من المؤرخين العرب ولا الأجانب وقد اعتمدت وثائقاً في غاية من السرية أو الغموض وبحثت فيها لأعثر على خفايا لأمور كثيرة فعلاً أغنت تجربتي كثيرًا وحملتني مسؤولية في أن أقدم ماهو مميز وجديد وغريب.
وأثناء بحثي تفاجأت أنا أيضاً بالبيوت الشامية الموجودة الغنية بتاريخها كبيت عنبر وجبري والمهايني والشامي وغيرهم ورأيت فيهم قصصاً تاريخياً تحتاج لمجلدات تكتب عنها. ولفت نظري العيش المشترك بين طوائف دمشق القديمة، واهتمام اليهود بالجولان (عائلة روتشلد) اليهودية وكيف استأجرت أراضي من الجولان وكلها بالوثائق وهذا منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين.
الباحثة الجادة كما يحلو للبعض أن يوصفك ما الطريقة المثلى لدراسة التاريخ؟ اني أدرس التاريخ الآن في جامعة دمشق فرع السويداء وطلابي عندما أقدم لهم البحث أراهم وهم مشدودين اليّ ومن كل جوارحهم وذلك لأني أقدم لهم المعلومة التاريخية بطريقة واضحة ومشوقة كالقصة وكله عن طريق المصورات فأربط المكان بالزمان بالصور والوثائق قدر الامكان وهذا يجعلهم معنيين بعلم التاريخ وأهميته التي تنعكس على حياتنا كل يوم فالتاريخ يعيد نفسه وعلينا أن نستفيد من الماضي.
ماهي الصعوبات التي واجهتك أثناء الدراسة في الجامعة والتحضير للدكتوراه من حيث العمر؟ بالحقيقة لم تواجهني أية صعوبات لا بالجامعة ولا بالبيت فأولادي قد كبروا واتبعت معهم تقسيم الأدوار فيما بيننا ولكل منهم الدور الذي عليه أن يقوم به ابتداء من زوجي وانتهاء بأصغر أولادي، أما بالجامعة فلم أشعر فرق العمر وراء المقاعد لكن بعد الانتهاء من الحصص هنا كنت أبتعد فلهم حياتهم ولي حياتي، هذا لم يعيقني عن التفوق فقد تفوقت على من هم أصغر مني بسنوات عديدة.
بعيداً عن التاريخ والأبحاث لك العديد من الاهتمامات المتعلقة باليوغا والصحة الجسدية ماذا تحدثينا عنها؟ من خلال تجربتي أيضا لمست أهمية الاهتمام بالصحة والجسد عن طريق الرياضة اليومية واليوغا والطعام الصحي الخالي من الدهون واللحوم، وهذا يساعد على تفتح الذهن وزيادة النشاط، فبعد اتباعي السلوك الصحيح بالطعام والرياضة أصبحت أكثر قدرة على العطاء وأكثر نشاطاً مني عندما كنت أصغر بعشر سنوات، وهذا دائما أحاول أن أوجه من حولي به وانصحهم بالاهتمام بأجسادهم وطاقاتهم.الروح والجسد هما الأساس في بناء الإنسان وعلينا الاهتمام بهما.
ما هي مشاريعك المستقبلية؟ إني الآن أفكر بالقيام ببحث يوازي أهمية أبحاثي السابقة، وسأرصد جزءاً من وقتي لكتابة سيرتي الذاتية من مرحلة قبل الزواج إلى الآن وأنا أصبحت دكتورة في الجامعة وجدّة لحفيدة عمرها أربع سنوات.
حياتي الآن أصبحت منظمة أكثر من السابق وأصبحت أقل توتراً فعرفت أن الحياة بقدر ما نبسطها هي بسيطة وبقدر ما نعقدها فهي معقدة، الأمور تعود إلينا نحن وارادتنا هي المحرك الأكبر لما نريد، على الإنسان ألا يستمع إلى الأصوات السلبية التي تأخذه إلى القاع النظرة الايجابية في الحياة والتفاؤل والمحبة هم أسس في العلاقات السليمة والحياة السليمة وهذا يعيننا على العطاء أكثر والانفتاح نحو الآخر.
لقد قدمت لنا لقطة جميلة عن نساء يقاومن اليأس ويصنعن من الحياة غداً أجمل بكثير من التفاؤل والأمل نتمنى لك المزيد من النجاح.
رهادة عبدوش الأبجدية الجديدة
إرسال الى صديق عــودة
|