تفاجأت عندما رأيتها: فقد سمعت عن نساء كثيرات اقتحمن عمل الرجال فعملن بأشغالٍ كانت حكراً يوماً على الرجال، لكن هذه المرأة اقتحمت عالماً ذكورياً من وجهة نظرالمجتمع.
وصعباً بسبب ظروفٍ عديدة فاحتكره الرجال لعقود ولأسباب لا أحد يفهمها تتعلق بشيء واحد هو الفكر الذكوري والذي يوزع الأعمال بين المرأة والرجل فيفرزها ذاك عمل نسائي وهذا عمل ذكوري، لكنها لم تبال في ذلك كلّه فقد سعت نحو حلمها بإرادة قوية ودخلت ذلك العالم المحظور انه حقول النفط وهي التي تخرجت بتفوّق من كلية الهندسة الميكانيكية وطلبت أن تعمل في في هذا المكان.
اعتقدت بأني سألتقي مع فتاةٍ ضخمة الجثّة بصوت قويّ يتناسب مع حجم مهمتها في التنافس مع الرجال في مهنةٍ شاقّة، وإذ بي ألتقي مع فتاة ماتزال في أول طريقها ذات جسدٍ نحيل وصوتٍ ناعم لا أكاد أسمعه، لم أخفي دهشتي من المفارقة وكان هذا عادياً بالنسبة لها فالجميع اعتقد كما اعتقدت.
إنها (ثناء فارس) أوّل فتاة سوريّة تعمل في حقوق النفط والى الآن هي الوحيدة فقد تخرجت منذ فترة بمعدّل كبير ساعدها على الاختيار ولأنها تريد أن تعمل بما درست، لا أن تركن شهادتها وتسكن إلى عمل إداري وروتيني، اختارت العمل في (حقل عمر) وهو أحد حقول النفط في سورية.
عن تجربتها بين الصعوبات والعرقلات والكثير من النجاحات كان هذا اللقاء الذي حاولت فيه الإضاءة على بعضاً من جوانب شخصيةٍ تستحق أن تكون قدوةً للكثير.
كيف يمكنك أن تحدثينا عن فكرة العمل في حقول النفط كيف راودتك ولماذا اخترتها؟ لقد قررت أن أستفيد من شهادتي في الهندسة الميكانيكية وأن أعمل بعمل يناسب هذه الشهادة العلمية والتي تعبت للحصول عليها حيث كان معدلي ممتازاً ورغبت ألا يبقى حبراً على الورق، وكنت أن وضعت رغبتي في العمل في وزارة النفط ووافقت الوزارة على طلبي وعندها اخترت العمل في حقول النفط والتي تبعد عن مكان سكني حوالي العشر ساعات، والسبب في اختياري للعمل هناك أنها مهنة متطورة ولا تقبل الحالة الوسط إنما تحتاج دوماً للعمل الدؤوب وهذا يناسب شخصيتي التي لا ترضى بالأشياء السهلة.
وإذاً بعد هذا الاختيار هل استطاع المجتمع من حولك قبول هذا الأمر إن كانت أسرتك أو محيط عملك؟ من هنا بدأت الصعوبات التي لم أتوقع أنها ستكون بهذا الحجم فالجميع من حولي كان معارضاً تارةً لأني فتاة وعليّ أن أعمل العمل المناسب -بحسب رأيهم- بما يتلاءم وأنوثتي وعلى الأقل عملاً قريباً من مكان سكني تارةً أخرى. وهنا واجهت التحديات والعرقلات التي ظهرت في طريقي بدءاً من محاولة تغيير طلبي من المديرية وانتهاءً بنظرات العاملين والمدراء والموظفين المستغربة والمتعجبة.
المحيط لم يتقبل هذا العمل لكن هنا كان دوري فأنا أثبت أني أستطيع العمل والتعلّم كالرجل تماماً وهذا لاحظه مدربينا واعترف به زملائي، أما بالنسبة للحياة الشخصية فمكان سكني وإقامتي في حقل النفط كان مخصصاً لأمور أخرى لكنهم أعدوه لي حيث يوجد مسكن للشباب لكن للبنات لم يخطر ببالهم أن يجدوه.
وعندما أتيت خصّصوا جناحاً لي وأنا الآن الفتاة الوحيدة الموجوده، استطعت أن أفرض الاحترام لشخصيتي فقد عرفت كيف أتواصل معهم في حياتي اليومية منذ الصباح حتى نهاية اليوم. ولا أخفي أني في كثير من الأحيان أكون لوحدي لكن عندي مكتبة لا بأس بها وكمبيوتر ونوتات تعليمية وتدريبية تحتاج مني تخصيص الوقت وهذا ملأ وقتي ولم يشعرني بالفراغ، على كل حال المناوبة هي أسبوع في مكان العمل و أسبوع أعود به إلى منزلي وهذا نظام العمل في حقول النفط.
بالعودة إلى عملك في حقل النفط ما الذي حققتيه إلى الآن؟ بالنسبة لي أهم ما حققته هو إثبات أني قادرة على إزالة جميع العقبات التي تعترض طريقي فلا مشكلة أو عقبة ممكن تقف بوجه من يصمم على بلوغ هدف ما في حياته، وقد برهنت على الأقل بالنسبة للمجتمع من حولي أن المرأة هي شريك للرجل وليست أقل منه لا بالذكاء ولا بالتصميم أو الإرادة إنما فقط الذي جعلها بعيدة عن بعض الأعمال أو المراكز هو عدم التصديق أو التيقن بأنها قادرة على فعل أي شيء وأنها إنسان وإنسانيتها وشخصيتها هي التي تحركها لا جنسها.
وعلى صعيد العمل فانا لازلت في البداية والمشوار أمامي طويل فلن أقبل فقط بأن أكون أول سيدة تقتحم مكان الرجال فهذا لم يكن غايتي إنما غايتي الحقيقية هي أن أثبت أمام نفسي أني قادرة على العمل بشكل أفخر به ويفخر بي أبناء وطني فسأعمل على أن أكون خبيرة في مجال النفط وأن أتابع دراستي في الماجستير وهو في "علم المواد" وسأحاول التخصص في الفحوصات والتفتيش على الأنابيب.
في نهاية لقائنا ما الذي تريدين أن توصليه لمن يتابع لقائنا؟ أريد أن أقول أن مجتمعنا لا زال يرفض عمل المرأة العربية فهو لم يستهجن وجود النساء الأجنبيات في حقول النفط مثلا لكنه استغرب وتعجب من وجود امرأة عربية، هذه نقطة تتطلّب منا الوقوف عندها الفصام بالشخصية بالنظرة للمرأة الشرقية و الغربية.
وعلى المرأة أن تتعرف على حقوقها وعلى القانون لأنه يوضح لها حقها ويعرّفها به ومن جهتي استعنت بقراءاتي من خلال بحثي عن حقوقي في الانترنت وكتب القانون وتوصلت إلى مواقع الكترونية تهتم بالمرأة وحقوقها والى أشخاص يستطيعون مساندة تلك المرأة ودعمها.
وبالمحاولة الجادة يتحقق كل ما نصبوا اليه فأهلي الآن فخورين بي وكذلك مجتمعي بعد أن كانوا بالبداية مستهجنين ما أعمله.
الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|