|
لا ادري من أين أبدأ... فالأوراق أمامي بالعشرات تحمل تواريخ وأرقام دعاوى واستغاثات وشكاوي, وحقائق ووقائع تحكي مآسي وأوجاع عاشها ويعيشها أبناء هذه المدينة, منها ما خالف الدستور, ومنها ما انتزعت فيه الملكية "بالقانون", وأحكام قضائية مبرمة لم تنفذ. إنها مآسي الاستملاك. نعم (الاستملاك) تلك الكلمة (البعبع) التي طالما عانت منها شريحة كبيرة من المواطنين على مدى عقود، حيث استملكت فيها أراضيهم وممتلكاتهم بأرخص الأسعار وانتهك معها الحق المقدس للمواطن في التملك والملكية الفردية والتي كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية. سأبدأ باستملاكات جامعة طرطوس الحكومية.... فقد أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 3447 القاضي باستملاك 61 هكتاراً واقعة ضمن المخطط التنظيمي الجديد لمدينة طرطوس لتنفيذ جامعة عامة. تعالت الأصوات لكن دون فائدة.. أصوات طالبت بأن تقام الجامعة خارج المخطط التنظيمي للمدينة وليس ضمنه.. كما هو متبع في جميع أنحاء العالم.. وكما فعلت الجامعات الخاصة في سورية (الجامعة الأوربية, جامعة الأندلس وجامعة القلمون..). حيث أن المساحة المخصصة للجامعة في طرطوس واقعة على أراض مزروعة بأشجار الليمون والزيتون (والتي منعت وحرمت الجهات الإدارية استملاكها) في المنطقة الوحيدة الباقية للتوسع العمراني للمدينة، وهي مملوكة لأهالي المدينة وريفها استملكت. وقدرت قيمتها بما يعادل 10 بالمائة من قيمتها الفعلية. هنا نتساءل ألا تكفي بضعة هكتارات لإنشاء جامعة!!؟ أليست أكبر جامعات الدول المجاورة ممتدة شاقولياً بمساحة لا تتعدى الهكتارين أو خمسة أو عشرة على أبعد تقدير!!؟ في حين أن جامعتنا ستمتد أفقياً وبارتفاع لا يزيد على ثلاثة طوابق!!؟ لطالما أن الجهة المستملكة لا تملك الأموال الكافية لتغطية استملاكاتها على السعر الرائج أو (مقابل تعويض عادل) كما نص الدستور فلماذا لا تستملك إلا ما استطاع وسعها. (أكد الخبراء بأن الأعمال الإنشائية للجامعة سوف تكلف مليارات الليرات نظراَ للطبيعة الجغرافية الوعرة للمساحة المستملكة والواقعة حول وادي نهر الغمقة). وبعد.. لم يهنأ أهل المدينة وريفها بالأعياد (مئات الأسر).. فها هي أضابير استملاكية جديدة تُحضّر على قدم وساق. حيث صرح السيد محافظ طرطوس الدكتور وهيب زين الدين أنه في الأيام القليلة القادمة هنالك توجه لاستملاك 750 هكتاراً (أي ما يعادل المساحة الإجمالية المبنية في المدينة) لصالح الجمعيات السكنية!! تلك المساحة أراض زراعية ومشجرة بآلاف أشجار الزيتون مملوكة لأهالي المدينة وريفها واقعة في منطقة توسع المخطط التنظيمي يعتاش منها مئات العائلات. تبرر الجهة المستملكة بأن قرار الاستملاك هذا من شأنه أن يكسر الارتفاع الجنوني لأسعار الشقق السكنية والعقارات بشكل عام والتي وصلت إلى مستويات قياسية في الآونة الأخيرة. في حين يرى المراقبون والمطلعون بأن هنالك الكثير من الشقق الخالية في الجمعيات السكنية القديمة والتي تدخل في الاحتكار والمضاربة بيد تجار منتفعين يقومون بتجميدها وبيعها فيما بعد لمتنفذين, وأن استملاك أراض جديدة وتبويرها وتجميدها لمدة طويلة في ظل غياب الإمكانات وضعف الدراسات لن يحل المشكلة بل على العكس سوف تزداد الأسعار مرة أخرى وسوف تظهر سريعاً الآثار السلبية للاستملاك. كما يرون أيضاً أن الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار يكمن في غياب رؤيا التخطيط لدى الجهات العامة، وذلك في التأخر في توسيع المخططات التنظيمية للمدينة. والتي تبقى قيد الدراسة والتنفيذ لسنين طويلة، مما أدى إلى نشوء مناطق مخالفات حول المدينة تجاوز ال600 هكتار, كما يرى المراقبون أيضاً أن مجلس المدينة قد ارتكب أخطاء في تنفيذ الاستملاكات القديمة (تجاوزت ال500 هكتار منذ بداية الثمانينات) الواقعة ضمن المخطط التنظيمي لصالح الجمعيات السكنية مما جعل العقارات المعروضة شبه نادرة وبالتالي ارتفعت الأسعار.. فلو اعتمد المجلس نظام الضواحي كما هو متبع في دمشق مثلاً (ضاحية دمر) وكما هو متبع في جميع دول العالم, أي في مناطق بعيدة نسبياً عن المدينة حيث تكون أسعار الأراضي رخيصة مقارنة بالمدينة لبقيت الأسعار مقبولة إلى حد كبير... وأيضاً هناك طفرة اقتصادية قد تكون مؤقتة ومحدودة الزمن سببها توافر رؤوس أموال كبيرة في البلد. يكمن الحل الأمثل للحد من ارتفاع الأسعار في عدم استملاك عقارات جديدة واقعة ضمن المخطط التنظيمي للمدينة ومناطق التوسع. والسماح للمالكين بإفراز هذه العقارات حيث يزداد العرض وتنخفض الأسعار, كما حصل منذ ثلاث سنوات حيث فرز ونظم ما يزيد عن 150 هكتاراً ثم بنيت جميعها خلال سنتين فقط واحتسبت منها المرافق العامة والخدمات (والكل راض) وبيعت بأسعار مقبولة في حينها. أخيراً..لا يسعنا إلا أن نناشد سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد الذي رفع شعار التحديث والتطوير والإصلاح الإداري وسيادة القانون, نناشد سيادته بأن يوجه بإعادة دراسة هذه الاستملاكات وبإعادة توسيع زاوية الرؤيا لدى الجهات المستملكة بشكل عام من منطلق تحقيق مصلحة الوطن والمواطن.
المحامي هشام عبد الرزاق...يتبع
إرسال الى صديق عــودة
|