توطئة:
الكتاب موضوع البحث في هذه الحلقة والتي ستليها، ليس من تأليف كاتب اغترابي عربي إلا ان صلته بدنيا العرب والأمة العربية تحله في مكانة طليعية بين أبرز المؤلفات الادبية والاجتماعية والتاريخية، وربما كان وحيداً أوحد في مادته ومضمونه، ليس في المغتربات فحسب بل وقد ينسحب هذا القول على وطننا العربي بالذات. وهو بحجمه المتواضع ومحتواه الثر يضاهي أكبر المجلدات حجماً وابلغها مكنوناً، ولا نغالي إن قلنا أنه قد يكون موسوعة مبتسرة. والجديد في الأمر أيضاً، انه ليس من تأليف شخص فرد، انما هو نتاج شارك في وضعه ثلاثة من أئمة الأدب وعباقرة التاريخ سطع نجمهم ألقاً في العالم الجديد- العالم الإيبيرو - أمريكي، امريكا اللاتينية التي أسماها المؤلف الاساسي للكتاب رائد استقلال كوبا خوسيه مارتي، “امريكانا” أو امريكتنا Nuestra America.... أما المشاركان الآخران، فها جامع الكتاب، الأديب والباحث والمربي الكوبي الشهير “خوسيه كانتون نافارو”، ومؤلف سيرة حياة البطل القومي الكوبي، التي صُدر الكتاب بملخص لها، صيغ اعتماداً على نص وضعه الكاتب والمؤرخ ايميليو رويغ، الذي تولى مهام مؤرخ مدينة هافانا، وبويع كبيراً لأساتذة ومعلمي الأجيال الدارسة لمؤلفات مارتي، مع إضافات هامة بها ساهم أدباء وباحثون واصلو الدرب الذي شقه المؤرخ خالد الذكر، رويغ.
المؤلف وتعريب الكتاب: لخوسيه مارتي مؤلفات جمة عن العرب، لا تقتصر على النص الادبي أو المقالة الصحفية، الصيغتين الاساسيتين المعتمدتين في تحرير الكتاب فإضافة إلى الشعر المكرس لتمجيد العرب، حضارتهم وثقافتهم، عاداتهم وتقاليدهم، حبهم للحرية ونضالاتهم من أجلها، تشمل هذه أيضاً نصوصاً روائية ومسرحية وخطابية تشكل دلالة بارزة على المكانة التي احتلتها حياتهم في فكره لدرجة اعتبارهم مثلاً أعلى، والدعوة لاتخاذهم قدوة تحتذى، إذ وصفهم بـ “كائنات رشيقة جذابة تكون الأمة الأكثر نبلاً وأناقة على وجه البسيطة”. وبدوره فخوسيه كانتون نافارو، جامع الكتاب، هو صاحب العديد من المؤلفات في البحث التاريخي ومؤلف عدة كتب وكراريس إلى جانب الكثير من الدراسات والمقالات ذات الصلة بالأمور الاجتماعية والسياسية، وقد فاز هذا الباحث بجائزة “26 تموز لعام 1970” عن كتابه “افكار خوسيه مارتي حول الطبقة العاملة والاشتراكية”. والكتاب الحائز على “جائزة عبد الله في التوثيق الأدبي لعام 1991” التي يمنحها سنوياً، الاتحاد العربي في كوبا، وقد صدر مترجماً للمرة الأولى في هافانا عن ادارة النشر في وزارة الخارجية الكوبية، على صورة تقريبية للبطل القومي، على حد تعبير مقدم الطبعة الجديدة وممثل لجنة التضامن مع شعب كوبا المرحوم الاستاذ هادي العلوي، مع التنويه بأن هذه اللجنة إياها هي التي رعت إعادة التعريب في دمشق عام 1995، بترجمة لمحرر هذه السطور، وذلك تبجيلاً لرائد الاستقلال بمناسبة الذكرى المئوية لسقوطه في ساح الوغى ووجهه نحو الشمس حيث قضى - كما تنبأ وتمنى- شهيداً مقاتلاً في سبيل تحرير وطنه الكوبي من السيطرة الاستعمارية الاسبانية وتخليصه من الأطماع الامبراطورية للولايات المتحدة الامريكية، تلك الدولة العاتية والطالعة يومئذ قوة امبريالية غاشمة.
خوسيه مارتي: في تقديمه للترجمة العربية الصادرة في دمشق قال عضو لجنة التضامن مع شعب كوبا الراحل هادي العلوي: “لقد وجدت كوبا يوم وجد خوسيه مارتي، لكن العرب يعرفون كوبا ولا يعرفون خوسيه مارتي، ولكوبا عند العرب مقام المدن الفاضلة التي حلموا بها منذ أيام علي بن أبي طالب، ومنهم من ينظر إلى رجال مثل تشي غيفارا وفيدل كاسترو، نظرتهم إلى قديسيهم الراقدين تحت القباب الذهبية”. ولد مارتي في هافانا عام 1853 أي في حمأة نهوض الوعي الوطني والقومي في كبرى جزر الآنتيل، وهو على مقاعد الدرس تأثر بحركة التحرير التي قادها أب الوطن “كاروس مانويل دي سبسبيدس” وتفجرت عام 1867 حرباً شعبية من أجل الاستقلال، دون ان تبلغ المراد بعد نضال دام عشر سنين.. هكذا انخرط مارتي في النضال وعانى السجن وهو ابن الخمسة عشر ربيعاً ثم نفي إلى اسبانيا ولما يزل فتى يافعاً وتكرر نفيه كما تكررت جولاته في امريكا اللاتينية والولايات المتحدة متعلماً ومعلماً، مناضلاً وداعية يحثّ على مقاومة النهب الاستعماري والاستغلال الامبريالي، كما ورد في المقدمة “فإن خوسيه مارتي هو من أولئك الذين اجمع العالم فيهم” أجل فحيال هذه الشخصية الفذة ترانا أمام الروائي الشاعر، والأديب الناقد والصحفي البارع، والخطيب المفوّه، والمفكر السياسي الحصيف، والداعية الوطني والأممي، كما يدل عليه المسبق الذي يعنيه تأسيسه الحزب الثوري من أجل استقلال كوبا وتحرير جزيرة بويرتوريكو اعتماداً على الجماهير الواسعة لا سيما عمال التبغ ركيزة ودعامة للنضال التحرري والحرب الضرورية من أجل الاستقلال. وإذ صنف واحداً من أئمة أربعة أسسوا الحداثة في الأدب الامريكي اللاتيني، قيل في مارتي: “إن الحداثة منسجمة مع مشاعره السياسية الثورية، وهي بالنسبة إليه تمثل تجديداً روحياً عميقاً ونزوحاً نحو حرية الفن وتوقاً إلى الحرية، كان يسوقه في مسالك الشهادة فداء للوطن. مارتي والعرب: “يفاجأ العربي حين يكتشف خوسيه مارتي بشخصية أممية ذات بعد عروبي، وفي هذا المنحى فما يثير الفضول ليس فقط حديثه المباشر عن العرب بل عناوين مؤلفاته الأدبية المكرسة لقضايا النضال الوطني والاجتماعي لشعب كوبا وشعوب امريكا اللاتينية..”. هكذا اعربت - في هذا المجال- مقدمة كتاب “الشعوب العربية في حدقة خوسيه مارتي”، الذي يلفت الانتباه اهتمامه بالقضايا والنضالات العربية في زمانه، كرائد مناهض للامبريالية الامريكية برز في أواخر القرن التاسع عشر، استخدم تلك النضالات مثالاً حث على الاقتداء به. واني أود هنا الاشارة إلى حقيقة تاريخية ورد ذكرها خلال الحديث عن إقامة مارتي الفتى في “جزيرة الصنوبر/lsla de pinos”، التي تحمل اليوم اسم “جزيرة الشباب”، وذلك ان مارتي اتصل هناك بشخص عربي محب للأدب فأطلعه على الثقافة العربية الاسلامية والقرآن الكريم وقصص الأنبياء الخ.. هكذا غرق اليافع الشغوف بالمعرفة من ذلك المعين الزاخر الذي أوحى اليه بقول مأثور يذكرنا بالحديث الشريف، إذ قال: “العلم يبدأ في المهد ولا ينتهي إلا في اللحد”. ومن هنا جاءت مؤلفاته حاملة عناوين مثل “عبد الله”، واسماعيل الصغير (ديوان شعر)، و”هاجر” و“لؤلؤة العربية”، كما أشاد بحضارتهم في مصر وآثارهم في الاندلس داعياً الاسبانيين إلى تبجيلها وانخراط المتنورين منهم في حركة التقدم العالمي المناهضة للاستعمار الاسباني والاوروبي في امريكا اللاتينية وافريقيا. تحدث مارتي عن كل هذا بشغف وحماس ينمان عن إعجاب وحب صادق تجاه العرب حتى ليخيل لقارىء نثره وشعره ان دماً عربياً يجري في عروقه، مع ان الأمر ليس على هذا النحو الوثيق الصلة بالبيولوجيا... اللهم إلا ان كان لهذا الشعور علاقة ما بواقع بعيد الجذور، كون مارتي متحدراً من أبوين اسبانيين.
المناقب العربية في نظر مارتي: لقد تطرق ذلك الرائد المناهض للامبريالية الذي انجبته كوبا في القرن التاسع عشر لمختلف معالم الحياة العربية ومناحيها، فقد اشاد بحضارة العرب التليدة وحكمهم التي غدت مضرب مثل حكى عن تاريخهم العريق تغنى بعاداتهم وتقاليدهم السامية، اشار الى حكاياهم واساطيرهم، اطرى على رجالهم ونسائهم، بجل بطولاتهم وملاحمهم، امتدح عطاءاتهم الحضارية، وصف بلادهم خلابة المناظر عميمة الثروات، ونوه بحبهم للاستقلال والحرية ناهيك عن اريحيتهم وكرمهم ونجدتهم للملهوف. والبطل المولود في البلد الذي وصفه كولومبوس بأجمل ارض وقعت عليها عين انسان، استعان بالامثال العربية للتعريض بأولئك المتخاذلين العاجزين عن التضحية والذين لايتوانون عن وضع العصي في عجلات النضال التحرري اذ قال: "امران اثنان يجب ان يؤخذا عن العربي: صلواته اليومية التي يتضرع بها الى الخالق كي يهديه سواء السبيل، ومثله القائل: لا يصل الى خاتمة المطاف من يتلفت الى الوراء ليتطلع الى الكلاب التي تخرج له على الدرب". وعلى المبدأ النبوي القائل: "اعقلوا وتوكلوا" حذر رسول الحرية الكوبي من تلك العادة السلبية التي يعنيها “ترك الامور للاقدار” دون مواجهة المشكلات الحياتية بالعقل والتدبر البصير. لقد كان مارتي حرباً على الحماقة والانانية وثورة لاتبقي ولاتذر على التعصب، ومن هذا المنطلق تحدث عن مأثرة الامير الجزائري المناضل عبد القادر، واجابته الحصيفة عندما اتاه احد المزاودين سائلاً عن الثمن الذي يدفعه الامير لقاء رأس فرنسي؟ فأجاب الامير المحارب ويا لروعة الجواب: "خمسين عصا وكيلا يطول انتظارك سأدفعها لك سلفاً".
مارتي وعطاءات العرب الحضارية: يقول مؤلف: ”الشعوب العربية في حدقة خوسيه مارتي” انه لم تمر سنة واحدة من الحقبة الممتدة بين عامي 1875و1895 الا وكان للمواضيع العربية مثول في الاعمال الادبية للمناضل الكوبي النابغة الذي خلّف، عندما نال شرف الشهادة وهو في الثالثة والاربعين من عمره ثمانية وعشرين مجلداً محرراً باللغة الاسبانية وسبعة اخرى مدبجة بالانكليزية عدا عن كتابات غيرها كثيرة لم يتسن جمعها بعد، وما تزال مبعثرة على صفحات جرائد وفي بطون مجلات وخزائن. فلقد تحدث مارتي عن ذكاء العربي وارضه مهد الحضارة ومهبط الوحي ولفتت انتباهه روعة العمارة والنحت وفنون عربية اخرى وصلت نماذج منها الى العالم الجديد، عبر الحضارة التي شادها العرب في الاندلس روائع بل عجائب لاتزال شاهداً حياً على عظمة بناتها، وبلغ اعجاب مارتي بها لدرجة تنبيه معاصريه من الشعرء الاسبان الى ان “امتلاك الحمراء والقصر ليس بكاف بل لابد من معرفة كيفية اجلالهما" وقد اتى مارتي على وصف بليغ ومشوق للاثار العربية في الاندلس سوف نفرد له فصلاً مستقلاً في الحلقة القادمة بإذن الله. واذ اثنى على خصلتي الجد وحب العمل لدى العرب لم يأت مديح مارتي هذا عن جهل ولامن عدم - هكذا يقول الكاتب موضوع البحث - مشيراً الى ان (المعلم) الذي لم تعزه الدوافع للتذكير بهذا العرق المجد والمكابد.. فلقد كان على إلمام تام بجودة الفولاذ الدمشقي والنسيج السوري المعروف باسم عاصمتنا الفيحاء "داماسكو" كان يقدر نقاء العقيق في الجزيرة العربية، والجزائر، وعطور شبه الجزيرة، لبانها وياسمينها كما كان معجباً بالفنون المصرية على اختلاف انواعها لاسيما روعة بيوت المصريين التي قال فيها انها تماثل شعبها رشاقة واناقة وهذا دفعه للقول: بأن مصر ستكون اول بلد يزوره برفقة نجله عندما يتسنى له السفر الى تلك الربوع. وهذا فيما اعترف بفضل الحضارة العربية الاسلامية في توفير الحماية والعناية لارز لبنان الشهير كما تحدث عن تأثيرها في تطوير النهضة الاوربية كنتيجة لاقبال مثقفي القارة على مطالعة كتب الادب العربي وسبر اغوار الاسفار التي وضعها المؤلفون العرب في شتى فروع العلم والمعرفة، وكل هذا سوف يشكل مادة الحلقات القادمة فإلى اللقاء قرائي الكرام بمشيئة الله.
توفيق حمد الفقيه المصدر: البعث
إرسال الى صديق عــودة
|