لقائي معه لم يكن عادياً وانما أخذني في رحلة سريعة عبر العالم.. حلقنا في الجو لنرى معاً التطور السريع الذي حدث منذ حوالي 110 أعوام وحتى الآن وشمل مختلف جوانب الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية والتقنية حتى أصبح البعيد بالمسافات والأيام قريباً. هذه التحولات والتطور التقني الكبير جعلت العالم وحدة واحدة، شاهدنا ان هذا التقدم له جوانب ايجابية وأخرى سلبية فما يناسب أحد جوانب هذا العالم قد لا يناسب جانباً آخر مسبباً له الكثير من المشكلات.

هذه الرحلة جعلتني أتساءل: هل البعيد عن الوطن بعيد عن القلب، أم أن الوطن لا يزال في قلبه وروحه وفكره يسيطر عليه؟.. الفنان المغترب زياد شاهين يجيب على هذا التساؤل ببساطة لأن إعلاء اسم سورية همه وطغيان سلبيات العولمة هاجسه، يركز دوماً في افتتاح معارضه على أن يقدم كفنان سوري صاحب رسالة مقيم في ألمانيا نشاطه الكبير والملحوظ حفز الدكتور حسين عمران سفير سورية بألمانيا بإرسال كتاب شكر للفنان شاهين على الدور المميز الذي يقوم به كفنان سوري متميز على الساحة الألمانية والأوروبية. الفنان زياد يحب الحياة ويقدر الحركة الموجودة فيها يؤكد على أن عمر الانسان لا يقاس بالسنوات وانما بالقدرة على العطاء وما يقدمه للبشرية، من خلال فنه يتحدث عن السياسة والاقتصاد، ثقافة وفكر، علم و.. عالم اللامرئيات هي جل اهتمامه، والبشريات محورها حتى لتجد نفسك أنك دخلت عالم الفلاسفة لا الفنانين، كوّن لنفسه مدرسة خاصة اشتهر بها في المغترب، يقول: الفنون التشكيلية لم تعد في إطار الرسم واللون أو النقل والحرفة وانما تعدت ذلك بأشواط عديدة ودخلت في اطار البحث والترجمة لكل الأشياء الموجودة حولنا ومحاولة المقارنةبين الماضي والحاضر ومن ثم المستقبل، ويرى أن وظيفة الفنان التشكيلي أعمق لأنها أصبحت تتضمن رسالة انسانية لها مضمون، وتكمن هذه الوظيفة في البحث والتأليف والتحليل والتفكير ومحاولة ايجاد حلول معينة أو نتائج يعبر عنها عن طريق الخط واللون والتكوين والانفعال لأن الفنان أولاً وأخيراً انسان يتكون من مجموعة من المشاعر والأحاسيس.

حواري مع الفنان شاهين شمل نواحي كثيرة منها ما يتعلق بالفن التشكيلي ودور الحداثة واستخدام التقنية، ومنها ما يؤكد على ضرورة وأهمية التربية الفنية وكيف يمكن للانسان العادي ان يقرأ العمل الفني التشكيلي وغيرها.
رسالة الفن والفنان: هل لك أن تعطينا فكرة عن فن اللامرئيات، ومدرسة شاهين للبشريات الخاصة؟ اللامرئيات هي كل شيء موجود حولنا ولا نراه، لكن يمكن ان نشعر ونحس به، كالهواء وعالم البكتريا ومحاولة العمل على ترجمة السكون.. هي عملياً فلسفة عميقة لا نهاية لها وتأخذ حيزاً كبيراً من فكر الانسان والانفعالات الانسانية واختلاف الترجمات لأن الفنون التشكيلية لم تعد في اطار الرسم واللون وانما في اطار البحث والترجمة هي رسالة انسانية تتضمن التحليل والتفكير. أما عن البشريات فيقول الفنان شاهين: على كل فنان ان يركز على الجزئيات الى جانب الرسم فأنا أعمل أيضاً في النحت، ينصب اهتمامي على الايدي والارجل لأنهما عماد حركة الانسان، دون الحركة لايوجد تطور او عمل لاحظت أن اليدين والاصابع تلعب دوراً كبيراً في تاريخ الانسان، وهي التي تقوم بكل الاعباء والأعمال، وبعد تفكير عميق قدمت أعمالاً سلطت خلالها الاضواء على حركة اليدين والارجل ويضيف قائلاً: هذا الفن عبارة عن عملية تكوين أوجدت بشريات معنية بأشكال انسانية جديدة مؤكداً على أن الأيدي والأرجل هما مصدر الحركة والحركة هي البناء، وفي الوقت نفسه التلاعب بايجابية الخط وسلبيته، وكذلك تداخل السلبي مع الايجابي، وقدمت عدة أعمال عرضت في معارض كثيرة ثم حولت الفكرة الى الأعمال النحتية مستخدماً في معظم الأحيان الحديد والرخام والطين، وقد استقبل الفنانون الاكاديميون هذه الأعمال بانطباع جيد لأنني تميزت به وطبع اسمي عليه.
لاحظت ان لوحاتك تغلب عليها الألوان القاتمة والغامقة كالنيلي والأزرق والأحمر القاني فماذا تريد أن تقول بهذه الألوان؟ أود ان اوضح أمراً ان هذه الألوان أيضاً هي عبارة عن الحركة واللون.. الحركة هي الحياة وليس الموت أو السكون، والأحمر هو الدم لكنه يعني لي الحياة أعيش بحركة دائمة أحب الضوضاء والسير والنور وأريد ان اشعر بجمال وحيوية الحياة.. هذه الألوان تعني عندي الحياة والتفاؤل والأمل والدفع الى الأمام.
مفاهيم جديدة: قلت ان الفن اليوم يعني التحليل والبحث فما هو المقصود؟ يوضح الفنان شاهين قائلاً: اضافة الى استخدام التقنيات الحديثة وادخال خامات واساليب جديدة أصبح الفن اليوم يعني تقديم أعمال تكون فيها خدمة أو ترجمة لشيء معين، أحد الفنانين في ألمانيا أقام معرضاً حوى مجموعة كبيرة من «السلالم» هذا الفنان أراد أن يوصل فكرة أن السلم كان ولا يزال له دور في بناء الحضارات ومنشآتها وهو كفنان أراد أن يقدم شكره «للسلم» مثل هذا المعرض نقول عنه أنه رمزي لكنه يدل على مفاهيم معينة..
إذاً كيف يستطيع الفنان ايصال رسالته الى الانسان العادي في اطار هذه المفاهيم الجديدة ومن خلال الفن التجريدي والبحث العلمي لا نستطيع الآن ان نطلق عليه فناً تجريدياً بمفهومه السابق فكما تتطور حياتنا بالثانية كذلك هي الفنون التشكيلية تتطور أيضاً فكرياً مع تطور كل الأشياء. ويوضح الفنان شاهين: العولمة آتية لا محال ونحن طبعاً ضد الجانب السلبي، لكن في الوقت نفسه علينا جاهدين الاستفادة من جانبها الايجابي في ظل هذه الثورة التي تسير بسرعة البرق كيف يمكن ان نحافظ على أجيالنا؟ أرى ان هذا التطور السريع يسبب مشكلات عديدة، أشياء كثيرة تعرض علينا باغراءات كبيرة ولا نستطيع اقتناءها أو التشبه بها.. هذا موضوع يسبب تفجراً داخلياً وتعقيدات ومشكلات عدة لأن الحلم لا يطبق في الواقع، ولأن الفنان انسان قبل كل شيء يلاحظ ما يحدث حوله وينفعل فيحاول ترجمتها كل بأسلوبه.. كثير من الفنانين لعبوا بالألوان لكن دون فكر، لكن أى عمل فني دون تحليل أو خلفية ثقافية معينة ودون ترجمة حضارية لا يسمى عملاً فنياً. ومادمت قررت ان أكون فناناً تشكيلياً فأنا أرفض ان أكون ببغاء أو مجرد آلة تصوير للطبيعة أنا غير ذلك لأنني ألاحظ وأفكر وأحلل وأشارك وأنفعل.
بين الفنان والمتلقي:
بهذا المنطق انت تقدم رسالة يجب أن تصل الى الناس بمختلف مستوياتهم فمن خلال المعارض التي أقمتها منفرداً أو مشاركاً هل لاحظت ان الفكرة التي تريد أن تقدمها قد وصلت؟ غالباً تقام على هامش المعارض ندوات فكرية يتم خلالها تبادل الآراء والنقاش لكن حتى في المجتمع الأوروبي هناك أناس يزورون المعرض من أجل الزيارة فقط لرؤية لوحة لكنهم لا يحاولون الدخول في عمق اللوحة أو معرفة دور الفنان ورؤيته ومع ذلك «يواصل الفنان شاهين حديثه» أحياناً تصل وأحياناً لا تصل لأن عامل التربية الفنية الثقافية يلعب دوراً.. نرى كثيراً من الناس يزورون المعارض التي فيها بحث علمي، تكوين لوني موسيقا لونية.. وجميعها فن يدخل في اطار الحداثة.. أشياء تبحث عن اللامرئي.. يستغربون هذه الأعمال يريدون فقط رؤية شيء سهل معتبرين ان الرسم هو مجرد قطعة ديكور لتزيين جدار أو منحوتة لتزيين ركن من أركان المنزل.. لكن الفن ليس مجرد تزيين، كل منهما شيء مختلف.. ويضيف قائلاً: لا شك ان على الفنان مسؤولية ثقافية كبيرة في ايصال الرسالة لكن عندما يسمع من انسان وبلا أي مبالاة يقول: «ما هذه اللغوصة والشخبطة وما هذا الرسم»؟ هنا الفنان عندما يسمع مثل هذا التعليق لن يحاول الدخول في مناقشة معه لأنه أصلاً لن يفهم عليه، والفنان دائماً على استعداد لترجمة أفكاره وشرح عمله لكن حينما يرى رغبة ملحة واستعداداً قوياً عند الشخص لفهم هذه اللوحة أو هذا العمل ويسأل باسلوب منطقي وليس بشكل استهتاري أو متهكم.
تقبل الرأي والرأي الآخر: ما هي النصيحة التي تقدمها للناس لقراءة اللوحة؟ اللوحة ليست جريدة أو كتاباً هي بالدرجة الأولى احساس وهي أيضاً ليست «وحشاً» ونحن الفنانين لا نريد من الانسان ان يدخل في فكر وثقافة الفنان، ومن أجل تبسيط الأمور أقول أولاً نحن نستمع الى الموسيقا ونستمتع بها ونحلم معها ونحلق بها عالياً في أجواء الفضاء والكون «اللامرئيات» ولأن الانسان كتلة من المشاعر والأحاسيس يتفاعل مع الموسيقا. إذاً لنعتبر أن اللوحة هي مقطوعة موسيقية لونية وعليه أن يحاول التفاعل مع هذه الموسيقا اللونية وينظر ماذا تقدم له في النظرة الأولى وهل يستطيع ان يقرأ نفسه بها أما إذا كان لديه استعداد للمعرفة الثقافية وحب الاطلاع والاستزادة من المعرفة والمناقشة حينها يمكن ان يربط بعض الأشياء أو بعض الصور أو الأحداث التي مر بها بمعنى يكون هناك احتمالان لقراءة اللوحة الأول: وهو ما يريده الفنان والثاني: تفسير الانسان بالأسلوب الذي يراه ويجد فيها قصة أخرى بعيدة عما يريده الفنان، وأحب ان أقول «الكلام للفنان شاهين» ان الفنان ليس ديكتاتورا يفرض رأيه أو تفكيره أو عمله على الآخرين.. وأنا شخصياً اترك المجال لأن يجد أي انسان لنفسه قصة في اللوحة أو العمل وقد تكون قصة لا علاقة لها فيه أو لا بعد سياسي أو نفسي أو نقد اقتصادي.. وعلى الصعيد الشخصي إذا طلب مني أحد الأشخاص تفسير اللوحة ولم يكن يريد شراءها وأعرف يقينا أنه يحاول المعرفة فأنا افتح أمامه الأبواب وأناقشه ونجلس على حوار الرأي والرأي الآخر.. أما إذا كان يريد شراءها وفسرها كما يريد فلا أناقشه ولا أدخل معه في حوارات.
ظاهرة ثقافية فنية: ما رأيك بظاهرة انتشار الأعمال الفنية والمنحوتات في المؤسسات والساحات؟ قبل أن يعرف الانسان القراءة والكتابة كان يدل على ما يريده عن طريق الرسم على التراب ثم بدأنا نرى الرسومات والمنحوتات في الآثار ومنها نستقرئ كتابة التاريخ.. ففي البدايات البعيدة كان هناك التجريد وفي الماضي اعتمد الفن الكلاسيكي لذا فإن المقياس الأساسي للحضارات وتطورها هو الفن التشكيلي بكل معانيه.. هذه الظاهرة يجب أن نقرأها بأنها ليست فقط للزينة وانما لقراءة مرحلة من مراحل الزمن الذي نعيشه في تطوره للمستقبل.
إذاً ما هي الرسالة التي تريد أن تقدمها كفنان مغترب؟ الفن بأي شكل كان (موسيقا.. سينما.. مسرح.. تشكيل...) يجب أن يتضمن رسالة وإذا لم يحو هذه الرسالة فلا يعتبر فناً.. وعندما أطرح نفسي كفنان سوري يدل هذا على أنني أديت رسالة بسيطة بالتعريف بسورية وأنها قادرة على أن تخرج عقولاً مبتكرة وفنانين يقدمون حضارة وفكراً وتحليلاً ودراسات، وأنا كمغترب أشعر براحة نفسية أنني أظهرت اسم بلدي سورية بالمجتمع الأوروبي.
كلمة أخيرة: يتمنى الفنان المغترب زياد شاهين أن تتطور الفنون التشكيلية في العالم العربي لتصل إلى العالمية وأن تأخذ المنحى العلمي وليس التزييني، ويرفض أن يكون العمل الفني مجرد لوحة لتزيين الحائط بل يجب أن يكون له مدلول ومضمون فكري وحضاري وتحليلي ورؤية إلى المستقبل البعيد... fatina
بطاقة ">shami@gmail.com
بطاقة فنان
ـ عضو نقابة الفنون الجميلة وجمعية أصدقاء الفن في دمشق
ـ مارس العمل الفني منذ عام 1962 وتتلمذ على يد الفنانين فاتح المدرس ولؤي كيالي
ـ درس فن تصميم الغرافيك في ألمانيا وكان الأول على دفعته
ـ درس الفن التشكيلي في المعهد العالي للفنون التشكيلية في مدينة أوفن باخ
ـ درس فن النحت بمدينة كاسل
ـ درس تاريخ الفن في جامعة مانيس
ـ بدأ الرسم بأسلوب المدرسة الانطباعية والواقعية واشترك بعدة معارض في سورية
ـ من خلال دراسته في أوروبا وأميركا اتجه الى الحداثة والتجريد والبحث العلمي وأقام العديد من المعارض
ـ اشتهر في ألمانيا بصاحب مدرسة البشريات
ـ يطور عمله حالياً عن طريق استخدام الحاسوب
حوار: فاتنة شامي المصدر: تشرين
إرسال الى صديق عــودة
|