ولأن ما يرتديه التلاميذ من ملابس مكون أساسي من مكونات البيئة المدرسية، والبيئة المدرسية نظام فرعي من نظام رئيس أكبر هو التربية، والتربية نظام جزئي من نظام كلي أشمل هو المجتمع؛ فإن زي التلاميذ يتأثر بكل ما يصيب المجتمع من تغيرات ثقافية أو سياسية أو اجتماعية. ولا يوجد في أدبيات التربية الكثير من المعلومات عما كان يرتديه المتعلمون في الحضارات القديمة، ويبدو أن عدم وجود فصول دراسية كبيرة أو وجود مبان وإدارات مدرسية بالشكل الذي عرفته البشرية فيما بعد - قد جعل التلاميذ لا يظهرون في زي مخصص، وإنما كانوا يرتدون ملابسهم العادية التي تمثل الأزياء السائدة في تلك العصور.

الزي المدرسي في أوروبا الوسيطة: وفي أوربا وبعد سقوط روما في العصور الوسطى كادت المدارس النظامية أن تختفي ولم يبق منها إلا شتات محدود، التحق به نزر يسير من البنين دون البنات، واقتصر التعليم على بعض المدارس الدينية التابعة للكاتدرائيات والأديرة وكانت تدار بواسطة الكهنة، وتبين بعض الرسوم والأشكال التي دونت في تلك العصور على جدران الأديرة أو في بعض المؤلفات أن الطلاب والمعلمين الملتحقين بهذه المدارس كانوا يرتدون زيًا موحدًا يشبه زي الرهبان والقساوسة، ويذكر مؤرخو التعليم أن توحيد الزي في المدارس الدينية كان بهدف جعله رخيصًا وفي متناول أبناء الأسر الفقيرة.

ومع بداية الألفية الميلادية الثانية بدأت المدارس في الانتشار في أوربا، وامتدت إليها- على استحياء - يد التطوير، وقد اختلفت معدلات تطوير المدارس في جميع أرجاء القارة الأوروبية، كما اختلفت إجراءات هذا التطوير من منطقة إلى أخرى، ومن نظام تعليمي إلى آخر، ومن بين أشهر الأنظمة التعليمية الأوروبية التي تطورت بها المدارس النظام التعليمي الإنجليزي الذي ترجع بداياته الأولى إلى كاتدرائية «كانتربري» التي أنشأها القديس «أوغسطين» عام 597م، ويشير مؤرخو التعليم إلى أن المنصرين أقاموا آنذاك نوعين من المدارس هما: المدارس الثانوية العلمية ومدارس الغناء، وركز التعليم في النوع الأول من هذه المدارس على اللغة اللاتينية، باعتبارها لغة العلم في جميع أنحاء أوروبا وقتئذ، بينما عول النوع الثاني من المدارس على تدريب الذكور ـ كبارًا وصغارًا ـ على الغناء والأناشيد والترانيم الكنسية، بغرض إعدادهم للمشاركة في مجموعات المنشدين داخل الكنيسة، ومساعدة القساوسة في أدوارهم وخدماتهم الدينية. وفي نهاية القرن السابع الميلادي، عمدت بعض المدارس الثانوية العلمية ـ مثل مدرسة مدينة يورك الشهيرة ـ إلى تدريس مناهج التعليم العام في القرون الوسطى، وبعد ذلك نشط المعلمون المتميزون والبارزون، فبادروا إلى إنشاء مدرستين جديدتين في مدينتي (أكسفورد) و(كمبردج) في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وشكلت هاتان المدرستان نواتين للجامعتين الشهيرتين والوحيدتين في إنجلترا طوال ستة قرون تقريبًا، وكان تأسيس الجامعتين دافعًا وحافزًا قويًا للمدارس الثانوية العلمية لتعد وتهيئ طلابها للالتحاق بهما. لكن هذه البدايات المبكرة للتعليم في العصور الوسطى شهدت إحجامًا وعزوفًا من أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا عن الدراسة والتعليم، لأن المدارس تحولت - في نظر هاتين الطبقتين - إلى أماكن خطرة غير مرغوب فيها؛ فقد أخذ أبناء الطبقة العليا وأبناء النبلاء والأسر الميسورة في التباري في أنواع الملابس والمستلزمات المدرسية، وكانوا يرتدون أفخم الثياب وأغلاها ثمنًا ويحملون حقائب مصنوعة من أغلى الجلود، وكان كل طالب من أبناء تلك الأسر ممن يدرسون بعيدًا عن ذويهم يمتلك خزانة ملابس فخمة وشاملة، تحتوي على أنواع وأشكال متعددة من الملابس، ويصف المؤرخون محتويات هذه الخزائن فيقولون: يوجد بخزانة كل طالب دستة من القمصان وعدد مماثل من رابطات العنق و(البناطيل) ونصف دستة من المعاطف، هذا فضلاً عن أعداد كبيرة من الملابس الداخلية والقفازات والجوارب والمناديل والأحذية الجلدية، وقد زادت سعة وفخامة خزائن ملابس التلاميذ في القرن التاسع عشر بعدما أصبحت الألعاب الرياضية جزءًا من المنهج الدراسي، وأضيفت إلى الأنواع السابقة من الملابس - الملابس الرياضية، وفي القرن التاسع عشر أيضًا وعندما سمح للبنات بالدراسة بعيدًا عن ذويهن كانت خزانة الطالبة تحتوي على دستة من الفساتين من مختلف التصميمات وبما يناسب مختلف المناسبات، هذا بالإضافة إلى عدد من التنورات (الجيبات) والقبعات والمريلات والعباءات والأحذية والحقائب الجلدية والجوارب والمناديل والقفازات. هذه المبالغة في مقتنيات وملابس الطلاب وهذا التباري بين أولياء الأمور أدى إلى امتناع كثير من الأسر عن إرسال أبنائها إلى المدرسة والاكتفاء بتعليمهم في المنزل.
بريطانيا الفيكتورية: وفي عهد إنجلترا الفيكتورية (Victorian England) انتشرت فكرة توحيد الزي المدرسي وأصبحت هاجسًا لدى جميع البريطانيين، بعدما شعرت جميع الطبقات بضرورة وضع حد لهذه الفوضى، وإيجاد حلول لوقف حمى التباري في الملبس بين أسر التلاميذ، فكان توحيد الزي المدرسي وتطوير المنهج التقليدي المعتمد على الحفظ والتلقين هما أبرز محاور تطوير التعليم في المدارس الحكومية الإنجليزية في تلكالفترة،خاصة بعدما تم إنشاء العديد من المدارس الحكومية لتلبية الاحتياجات الكبيرة من الإداريين الذين تحتاجهم الإمبراطورية البريطانية المتوسعة.

كما كان للحركة التربوية في عام 1870م دور كبير في تحفيز الحكومة البريطانية على دعم نظام مدرسي يقضي بتعليم الجميع، وذلك من خلال التوسع في نشر المدارس وتوزيعها جغرافيًا بحيث يتم تقليل اضطرار الطلاب للسفر والإقامة بعيدًا عن الأسرة، وهو ما كان يتطلب مصاريف كثيرة يعجز الكثير من الأسر عن توفيرها. وقد اتبعت المدارس المنشأة نهج المدارس القائمة من حيث المناهج الدراسية، كما تم تعميم مواصفات الزي المدرسي على جميع المدارس الحكومية القديمة والجديدة على حد سواء، واشترطت المدارس الوطنية الإنجليزية التزام تلاميذها بارتداء الزي المدرسي، وقد شجع توحيد الزي المدرسي الأسر الفقيرة والمتوسطة في إنجلترا على إرسال أبنائها إلى المدارس في ظل شعورهم بالمساواة وتجنب المصاريف الباهظة التي يتطلبها التنافس في الأزياء بين التلاميذ.

وكان تلاميذ كل مدرسة يرتدون معاطف بلون معين يميز المدرسة عن غيرها، غير أن اختيار ألوان وخامات الزي المدرسي ارتبط في ذهن القائمين على التعليم في تلك الحقبة بالمستوى الاجتماعي لأبناء كل مدرسة وتبعًا للمنطقة الجغرافية التي توجد بها المدرسة، وبدأت تعود مرة أخرى فكرة الربط بين زي التلاميذ ومستواهم الاجتماعي والاقتصادي، وفي بعض المدارس كان يتم وضع بعض العلامات على الزي الموحد لتمييز التلاميذ الفقراء، وكان ذلك مدعاة لتذكير التلاميذ بالفوارق الطبقية بينهم، وقد لاحظت الحكومة هذا التمييز الصارخ فعملت على إلغاء كل هذه الفروق والعلامات، لكن أولياء الأمور أخذوا يبتكرون علامات غير معلنة لتمييز أبنائهم عن غيرهم مثل عدد الأزرار في المعطف أو القميص وطول الياقة وشكلها والخامة المستخدمة في صنع الزي، والزاوية التي تميل بها القبعة، وتفاصيل أخرى كثيرة أصبحت منتشرة ومتعارفًا عليها بين التلاميذ وبين الأسر أيضًا، وبذلك أصبح الزي المدرسي يحكي طبقات التلاميذ الاجتماعية والاقتصادية سواء على مستوى المدرسة الواحدة أو على مستوى المدارس المختلفة. ظل الأمر هكذا حتى منتصف القرن العشرين، وفي الستينيات الميلادية وعندما قامت الثورة الاجتماعية كان من نتائجها أن حدت من التمييز الطبقي الذي يظهره الزي المدرسي الموحد داخل المدارس في بريطانيا، وفي أواخر الستينيات كان لتمرد الشباب الواسع أثره على الزي المدرسي، فقد اختفت جميع العلامات المميزة للطبقة الاجتماعية، ووصل الأمر في بعض المدارس إلى إعادة تصميم زي مدرسي جديد بمواصفات وشروط جديدة. والحقيقة أن فكرة الزي المدرسي لم تكن منتشرة بشكل كبير في أوروبا مثلما انتشرت في إنجلترا، وإن كانت هناك بعض الرسومات والصور التي تبين أن الزي المدرسي كان موجودًا في القرن التاسع عشر في بعض الدول الأوروبية الأخرى مثل فرنسا وألمانيا وروسيا وبلغاريا وإيطاليا وإسبانيا، لكن لا يوجد الكثير من المعلومات عن طبيعة هذا الزي ومدى انتشاره، وما يمكن ملاحظته من خلال الصور والرسومات أن الأزياء المدرسية في تلك الفترة كانت تغلب عليها التصميمات المتأثرة بالزي العسكري، الذي بدأ ينتشر في القرن السابع عشر، وكانت له وظائف من أهمها تعزيز الطاعة وروح الزمالة والانتماء بين الجنود. وقد تباينت مواقف المجتمعات الأوروبية من فكرة الزي المدرسي؛ ففي حين عممت الفاشية الإيطالية لبس «الاسموكن» على تلاميذ المدارس، رفض الشعب الألماني توحيد زي التلاميذ واعتبر ذلك من ذكريات العهد النازي، وأصبح ينظر الكثيرون إلى الزي الموحد - بعد الحرب العالمية الثانية - على أنه أمر يتعارض مع الحرية الشخصية، أما المجتمعات الاشتراكية في أوروبا الشرقية فيذكر المؤرخون أنها - فيما عدا ألمانيا الشرقية - عممت الزي المدرسي الموحد منذ مرحلة مبكرة من الثورة، غير أن هذا التعميم لم يستمر طويلاً في جميع المدارس بسبب سقوط الأنظمة الشمولية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.
روسيا قبل وبعد الانهيار: وفي روسيا وفي أوائل التسعينيات من القرن الماضي سعت المدارس إلى ما أسمته "التحرر من الزي الموحد" واعتبرته تذكيرًا بالنظام الذي حاول مساواة وتنظيم الجميع في كل شيء، وفي عام 1992م صدر قانون التعليم وأصبح الزي المدرسي غير ملزم وخارج نصوص هذا القانون، وارتدى التلاميذ الروس ملابسهم كل على هواه؛ ففضل أبناء الأسر الميسورة ارتداء (البناطيل) "الجينز" الممزقة والمعاطف ذات القطع المعدنية التي يرتديها الشباب من سائقي الدراجات النارية، واضطر أبناء الأسر الفقيرة إلى ارتداء الملابس المستعملة أو ارتداء ملابس اخوتهم الكبار، وأخذ أنجال الأثرياء من الروس الجدد (يتغندرون) بملابسهم الفاخرة ذات الماركات المعروفة ويتجنبون زملاءهم في الصف من الذين يرتدون ملابس متواضعة أو مستعملة. هذه الصورة أدت إلى توسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتقسيم التلاميذ إلى طبقات. لكن الأسر الفقيرة لجأت مرة أخرى إلى الزي المدرسي الذي كان يستر فاقتهم، وارتدى أبناؤهم سترًا رمادية، وارتدت بناتهم ثيابًا بنية بمآزر سوداء وأشرطة بنية على الشعر، ثم ظهر في المدارس الثانوية زي أزرق غامق للأولاد، وما لبثت ألوان الزي المدرسي أن تعددت وتنوعت، وقد أصبح الهدف الرئيسي لنظام إصلاح المدارس الروسية الآن تنمية روح التعاون بين التلاميذ وشعورهم بالفخر بمدرستهم وبرمزها، ولذلك فقد صار لون الزي مختلفًا باختلاف المدرسة سواء كانت حكومية أو خاصة، وهو بذلك جزء من المدرسة وشعار لها يميزها عن غيرها، وعاد الزي المدرسي الموحد ليؤدي دوره في إخفاء عدم المساواة الاجتماعية بين التلاميذ ويخفف تباين الإمكانات المالية للأسر الروسية.

وفي الثمانينيات كان لظهور وزيادة تكوين (الشلل) والجماعات الطلابية ذات الملابس المميزة أثره في طرح هذه القضية على الرأي العام الأمريكي وإعادة النظر في القواعد المنظمة لما يجب ارتداؤه أو عدم ارتدائه في جميع المدارس الأمريكية، وبدأ التفكير في تعميم الزي الموحد، وبالفعل تم تعميم لوائح مدرسية وقوانين جديدة تقيد التلاميذ بمواصفات معينة للملابس المدرسية، وتحدد ما يجب عدم ارتدائه داخل المدارس خاصة في المرحلة الثانوية مع التركيز على الملابس الدالة على تكوين الجماعات والشلل الطلابية. وقد تم النظر إلى هذه الجهود وتلك القوانين على أنها جهود وإجراءات اضطرارية لمواجهة تكوين الشلل والجماعات الطلابية في المدارس في بعض المناطق بغرض توفير بيئة مدرسية آمنة للتلاميذ، وفي هذه المرحلة كادت المدارس أن تحدد شكل الزي المدرسي ومواصفاته بدقة، ثم ما لبثت بعض القيادات التربوية أن قامت بطرح فكرة الزي المدرسي الموحد، وكانت مدرسة (Cherry Hill) الابتدائية في مدينة Baltimore في ولاية ماريلاند هي أول مدرسة تعمم الزي المدرسي الموحد في المدارس الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد لاقت فكرة وضع مواصفات للزي المدرسي وتوحيد زي التلاميذ دعمًا رسميًا كبيرًا عندما قام الرئيس السابق "كلنتون" بالتصديق على فكرة الزي المدرسي الموحد عام 1996م. وتنفيذًا لتوجيهات الرئيس "كلنتون" قامت وزارة التربية والتعليم بإرسال أدلة إرشادية حول سياسات توحيد الزي المدرسي لأكثر من ستة عشر ألف مدرسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبواسطة هذه الأدلة قامت إدارات المدارس بتطوير معايير ومواصفات الزي المدرس
إرسال الى صديق عــودة
|