لم تكن الألعاب فكرة جديدة، بل على العكس من ذلك، فإن جذورها تضرب في عمق التاريخ الإنساني، إلا أن النظرة إلى اللعب تختلف بحسب تفسيراتها. لقد لفت موضوع اللعب أنظار الباحثين في مختلف العصور، فتأملوا لعب الحيوان ولعب الإنسان وحاولوا التوصل إلى ما قد يكون له من فوائد، ويفسروا الأغراض التي يمكن أن يؤدي إليها، ووضعوا عدة نظريات حول تفسيره نذكر منها:
٭ النظرية الفطرية للعب: وهذه النظرية تُفسر اللعب على أنه غريزة فطرية، حيث إن الكائن الحي (الإنسان، الحيوان) عندما يلعب فإنه يُعبر عن غرائزه، وقد أطلق على هذه النظرية «النظرية التلخيصية» لاعتقاد أصحابها بأن الإنسان يُلخص في حياته كل الأدوار التي مر بها تطور الحضارة البشرية منذ ظهور الإنسان إلى الآن. ومن هنا فإن النظرية تقول إن هناك مراحل للعب تشبه المراحل التي مر بها الإنسان خلال تطوره الحضاري.
٭ نظرية الإعداد للحياة: وتفسر هذه النظرية اللعب على أنه ألوان من النشاط الغريزي الذي يلجأ الإنسان إليه ليتدرب على مهارات الحياة ويتقنها استعدادًا للصراع من أجل البقاء، ومن أهم مبادئ هذه النظرية هو أن اللعب ممارسة هادفة، حيث يرتبط هدف اللعب بالتعلم، وكأنه (أي اللعب) هو الأسلوب الفطري للتعلم.
٭ نظرية الطاقة الفائضة: وتشير هذه النظرية بأبسط عباراتها إلى أن صغار الأطفال والحيوان تلعب لتتخلص من فائض الطاقة لديها.
٭ نظرية «جان بياجيه» النمائية: يشير بياجيه في نظريته إلى أن اللعب يرتبط بمراحل النمو عند الأطفال، ولكل مرحلة نمائية ألعاب وأنماط لعب خاصة بها، كما أن اللعب عند الأطفال كالتفكير عندهم، فهناك مراحل تفكير ولكل مرحلة تفكير أنماط من اللعب خاصة بها، ويشكل نمط اللعب في كل مرحلة أساس التطور المعرفي أو العقلي، ووسيلة للتعلم والتفاعل مع البيئة واكتشافها، وبالتالي يمكن النظر إلى اللعب على أنه مقياس تطور العقل نفسه. ومن خلال هذه النظرية يمكن القول إن اللعب عبارة عن عملية كبرى تتكون من عمليتين رئيسيتين هما التمثل «Assimilation» والملاءمة «Accommodation» وتشير عملية التمثيل إلى النشاط الذي يقوم به الطفل لتحويل ما يتلقاه من أشياء أو معلومات إلى بُنى خاصة به وتشكل جزءًا من ذاته، أما عملية الملاءمة فهي النشاط الذي يقوم به الطفل ليتكيف مع ما يحيط به لتيسير عملية التمثيل. لذا فإن «بياجيه» يعزو عملية النمو العقلي عند الأطفال إلى النشاط المستمر للعمليتين وبشكل متكامل نشيط، وفي هذه الحالة يصبح لدى الطفل حالة توافق ذكي وانسجام بين التعلم الجديد والخبرات السابقة في نطاق حاجته، وإذا تحقق هذا فإن «بياجيه» يطلق عليه «اللعب» الذي يعتبره وسيلة تعلم بالدرجة الأولى. إن حركة تفريد التعليم التي تنادي بها التربية اليوم تجد في اللعب طريقة هامة ومجالاً خصبًا للتفريد من خلال ما يوفر للأطفال من ألعاب تعليمية فردية أو جماعية، فاللعب يكسب الأطفال أنماط السلوك المختلفة العقلية والنفسية والاجتماعية والحركية ويطورون هذه الأنماط باستمرار، ومن خلال اللعب يتم نمو الذاكرة والتفكير والإدراك، والتخيل والكلام والانفعالات والإرادة والخصال الخلقية. وهذا يفسر اهتمام المدارس والمؤسسات التربوية المختلفة وبخاصة رياض الأطفال بتنظيم اللعب وبرمجته وتيسير سبله وتوفير فرصته للأطفال كطريقة من طرائق التعلم. ومن هنا فإن الألعاب التعليمية متى أحسن تخطيطها وتنظيمها والإشراف عليها تؤدي دورًا فعالاً في تنظيم التعلم وتوفير فرص النمو المتكامل السوي للأطفال، ويجد الأطفال متعة كبيرة في ممارستها لأنها تنسجم مع ميلهم الطبيعي إلى اللعب، فهم يلعبون فيتعلمون الكثير من المعلومات، ويكتشفون الكثير من الحقائق والعلاقات ويكتسبون الكثير من المفاهيم والمهارات والقيم التي تتصل بحياتهم اليومية والبيئة المحيطة بهم. ومن هنا فقد تنبه علماء التربية والتعليم إلى أهمية اللعب في ميدان التربية، فمؤسس رياض الأطفال «فروبل» قد جعل من اللعب أساسًا حيويًا لتربية الأطفال الذين انتموا إلى روضته، ووضع نظامًا متدرجًا من السهل إلى الصعب أطلق عليه اسم «هدية».. واستغل أبسط الخامات التي يتشكل فيها اللعب مبتدئًا بكرات الصوف ثم القطع الخشبية المتنوعة، ثم الورق والخيوط والصلصال، إضافة إلى الألعاب الرياضية التي تقوي جسم الطفل مع العناية بالنواحي العملية لكل ما يحتاج إليه الطفل في حياته الاجتماعية مع اهتمام بالنواحي الصحية والتربية الخلقية. ثم جاءت الدكتورة «ماريا منتسوري» فأدخلت تعديلات كثيرة على طريقة «فروبل» في بيت الأطفال الذي أسسته بروما فابتكرت عدة أجهزة تعليمية لتمرين الحواس وتربية الجسم وتعليم القراءة والكتابة، واهتمت بالتربية الصحية والجسمية والعقلية واضعة نصب عينيها حرية الطفل في اكتساب التعليم بنفسه تحت إشراف وتوجيه سليمين من جانب مربيات خبيرات بشؤون تربية الأطفال. وبعد ذلك جاء العالم التربوي «دكرولي» الذي أسس مدرسة لتعليم الأطفال عن طريق اللعب متخذًا من الطبيعة الحية طريقة للوصول إلى تحقيق هدفه التربوي «إعداد الأطفال للحياة عن طريق الحياة». وفي معهد «جان جاك روسو» للطفولة الذي أسس في جنيف عام 1914م بوساطة بعض المربين، كان تعليم الأطفال عن طريق اللعب الحر الذي هيئ لهم في حديقة كبيرة دون أن تكون هناك قيود تحد من نشاطهم. ثم جاءت المدارس الحديثة التي تراعي في تعليمها ميول الأطفال الغريزية وذلك من خلال إيجاد دوافع تحمل الأطفال على التعلم بنفس الحماسة التي يفيض بها لعبهم التلقائي، وهو ما يطلق عليه «التعلم من خلال اللعب»، فاللعب وسيلة الفهم والمهارة عندما يتصل الطفل بالعالم المادي والاجتماعي، وما المهارات المتعددة من لغوية وحركية وجسمية إلا منتج من نتاجه وثمرة طيبة من ثماره
يسري حسين عبدالهدي - الرياض المعرفة
إرسال الى صديق عــودة
|