|
يعتبر الاستاذ عبود كاسوحة من المترجمين المتميزين عن اللغة الفرنسية الذين أسهموا في نقل الكثير من الكتب الأدبية والفكرية والفلسفية الى العربية ومعظم كتبه صادرة عن وزارة الثقافة السورية منها ماهو رواية ومنها ماهو مسرح إضافة إلى كتب تبحث في الفلسفة وفي فلسفة السياسة والدراسات النقدية... إضافة الى بعض الأبحاث السياسية مثل كتاب "جدار شارون" لـ "آلان مينارغ". والاستاذ عبود كاسوحة من مواليد مدينة القصير 1938 ويحمل اجازة في الأدب الفرنسي منذ عام 1963 ودبلوم عامة في التربية 1965 من جامعة دمشق وقد عمل لثلاثة أعوام في هيئة تحرير جريدة الثورة يوم تأسيسها 1963.. كما عمل مدرساً للغة الفرنسية حتى سن التقاعد 1998 وهو الآن عضو في اتحاد الكتاب العرب، مترجم، ومقرر جمعية الترجمة لثلاثة أعوام. وتقديراً لجهوده المبذولة في مجال الترجمة عن الثقافة الفرنسية الى العربية فقد كرمته السفارة الفرنسية في الاسبوع الأخير من شهر أيار بمنحه وسام "فارس من رتبة السعف الأكاديمية".
* التقينا الاستاذ عبود كاسوحة الذي حدثنا عن هذا التكريم قائلاً:
أتاني هواها: أول مايخطر ببالي جواباً أن أذكر هذا البيت من الشعر: "أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى" ذلك أنني قبل هذه المناسبة لم أعرف أي تكريم وأزيد فأقول إنني لم أسمع بمن حصل على ذلك الوسام من قبل لأحلم بالحصول عليه: فكانت مفاجأة بالمعنى المطلق للكلمة, الذين نالوا الوسام معي كانوا أربعة: أستاذتان جامعيتان إحداهما الدكتورة نعمت أتاسي المدرسة في قسم اللغة الفرنسية في جامعة البعث, وأستاذان في حقل الحقوق والمحاماة أما إذا كان لي أن أزهو أولاً, فذلك لأن محافظة حمص نالت من هذا التكريم حصة الأسد, أما مجال الزهو الأهم فهو أن الأربعة أمضوا أعواماً عديدة في فرنسا للدراسة, وربما للعمل, أما أنا فتحصيلي كله ذوصفة محلية، بالاضافة الى أن اسمي على الساحة الأدبية أو الفكرية يقوم على دعامتين اثنتين: اللغة الفرنسية وهي مجال تخصصي, واللغة العربية وهي هوايتي.
طبيب رغماً عنه * أما سؤالنا الثاني فقد كان عن بدايات الاستاذ عبود كاسوحة في الترجمة عن الفرنسية إذ أجابنا قائلاً: ** هنالك مسرحية تحمل اسم "طبيب رغماً عنه" يمكن لحكايتي مع الترجمة والصحافة أن تحمل هذا الاسم.. ففي مثل هذه الأيام من عام 1963 ولم تكن نتائج حصولي على اجازتي الجامعية في الأدب الفرنسي قد ظهرت صادفت قريباً من القصر العدلي في دمشق الصديق المرحوم محي الدين صبحي, الذي قال لي إن صحيفة جديدة ستصدر في دمشق قريباً جداً, وإنه مكلف من مديرها المسؤول المرحوم جلال فاروق الشريف بالبحث عمن يتقن الفرنسية لأنهم بحاجة اليه في الجريدة الجديدة, وهكذا وجدتني بين ليلة وضحاها ضمن هيئة تحرير جريدة الثورة التي صدرت بثماني صفحات وبدأت العمل. كنا أربعة في هيئة التحرير مسؤولين عن اصدار صفحتين يومياً, نترجم عن مصادر فرنسية وانكليزية, مواضيع من أقصى الشرق الى أقصى الغرب. فقد أترجم في الاسبوع الواحد, على سبيل المثال, موضوعاً سياسياً عن البرتغال في ظل الديكتاتور سالازار, يليه موضوع عن التجارة في كوبا وعن دور تشي غيفارا وزير الاقتصاد الكوبي آنذاك, وثالث من هوليود عن آخر أفلام هيتشكوك ورابع جيولوجي عن بنية الأرض ومحاولات الغوص الى أعمق أعماقها, وهكذا.. ذلك التنوع الكبير والمتعب عاد علي بفوائد جمة فيما بعد, فأنا, منذ زمن طويل, لا أتهيب أمام أي بحث أو عنوان.
الثقافة في الكتاب: * ماالأجناس الأدبية التي قمت بترجمتها? ** ترجمت من كافة الأجناس الأدبية القصة القصيرة, والرواية, والمسرحية, والنقد والفلسفة, وفلسفة السياسة.
* كيف تختار النص أو الكتاب الذي تود ترجمته? ** أحياناً أختار النص بنفسي, وأحياناً تكلفني بترجمته دار النشر أو وزارة الثقافة وإذا كانت الكتب المترجمة التي تحمل اسمي تناهز العشرين حتى الآن, فمعظمها من اختياري, إذ ترجمت خمس عشرة مسرحية من اختياري. وأنا من الجيل الذي يصح أن ندعوه بجبل المطالعة, علاقتنا بالعالم كانت دوماً عن طريق الكلمة المكتوبة, ثم الكلمة المسموعة الاذاعية وتحتل الصورة في حياتنا المرتبة الثالثة, وهي مرتبة دنيا, والمؤسف أن ترتيب الأهمية انقلب اليوم رأساً على عقب, إنه أمر مؤسف ومحزن التلفزيون يسليك ويزودك بمعلومات, لكن ثقافتك لاتأتي إلا عن طريق الكتاب. قد يكون اعجابي بالفرنسيين قائماً على أنهم كانوا ومازالوا الشعب الأكثر نهماً للمطالعة بين كافة الشعوب الأوروبية وما أزال أذكر المحاضرين في دورة الأدلاء السياحيين التي اتبعتها في مطلع التسعينات وكيف كانوا على الدوام "يحذروننا" من السواح الفرنسيين الذين يأتون وهم يعرفون عن بلادنا ومواقعنا الأثرية مثل ما نعرف وأكثر. وأعود لأقول إن الكتاب الذي يستهويني أقوم بترجمته وأنا أضع نصب عيني أن يروق القارىء العربي مثلما راقني بالفرنسية وأكثر وإلا فالترجمة فاشلة, كذلك على المترجم أن يحترم القارىء والموضوع أولاً وأخيراً موضوع أمانة.
* كيف يتم تقديم ما تترجمه من خلال المنابر الثقافية في القطر? ** من يصغ للمحاضرات التي ألقيها, يلمس أن الترجمة عمودها الفقري وأذكر بضعة عناوين على سبيل المثال لا الحصر: "القرآن الكريم واشكالات الترجمة" و"رواية البؤساء بين فيكتور هوغو وحافظ ابراهيم" و"نجيب محفوظ والترجمة" و"الترجمة المسرحية".
اسم الدلع: * عملت في الصحافة ثلاث سنوات إذ دخلت عالم الصحافة من خلال الترجمة بعدها صرت تكتب المقالة والتحقيق الصحفي, فهل من رابط بين الترجمة والعمل الصحفي? ** قد أكون أجبت على هذا السؤال, أو على بعضه.. كان مطلوباً منا في هيئة التحرير كل شيء.. كان في الصفحة الأخيرة من جريدة الثورة زاوية "من يوم الى يوم" تشبه زاوية "تحية الصباح" في جريدة العروبة ولا أنسى حكايتي وخيبة أملي مع أو مقالة كتبتها.. فقد ظهرت المقالة مذيلة باسم "عبد الله" فطار صوابي, كان جورج طرابيشي مسؤولاً عن الصفحة الأخيرة.. وكان لهم في حلب جار اسمه "عبد الله" فتناديه زوجته "عبود" على سبيل الدلع, وحين قرأ جورج الاسم قام بـ "تصحيحه" فشرحت له أن هذا اسمي الكامل من غير دلع. صحيح أنه لم يكن لدينا صحفيون من خريجي الكليات الصحفية, التي لم يكن لها في المنطقة كلها من وجود, لكن المسألة تعتمد في النهاية على شيء ضئيل من الموهبة وعلى الكثير من الجهد والاخلاص في العمل ولم أنس يوماً مقولة "ان تسعة أعشار النبوغ هو الجهد المبذول". وواهم من يعتقد أنه يستطيع الارتقاء الى القمم بالدعم والوساطة فبلوغ القمة لا يكفي إذ لا بد من تثبيت الراية فوقها ومن دواعي سعادتي أن علاقتي بالصحافة لم تنقطع منذ انتقالي الى التدريس من نهاية 1965 وحتى التقاعد 1998, لكنها تشهد هبوطاً أحياناً يكون مرده انشغالي بالترجمة, وتظل علاقتي بـ "العروبة" علاقة عاطفية, على الرغم من الأسماء الخارجية الكبرى, فأنا هنا من أهل البيت, وهذا شعور يظل يلازمني.
حوار: نجاح حلاس المصدر: العروبة
إرسال الى صديق عــودة
|