إن فقرة "شكاوى أهل البلد" تعبر عن رأي كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأي الأبجدية الجديدة
غصة في القلب قاتلة ومخجلة إلى أبعد الدرجات عايشتها مساء الجمعة الماضي هي أشبه بنار مستعرة لا تزال تضرمها ذئاب مسعورة تربت على القذارة والدناءة فأعملت أنيابها في ما بقي لنا من قيم ومن طهر ومن قداسة.
متطاولة على ما بقي من عاداتنا وتقاليدنا متشحة بتقاليد الغرب في ذروة انحطاطه الفكري وبذاءة بذيئيه... مقتدية بتجلياته القذرة لإسقاطها ككتلة سخام نجس في معجن طحيننا الأبيض أو ما بقي منه وهو الوعاء الذي يحوي زاد الخير الذي تربينا عليه والذي دونه ... عرضنا وحياتنا وأخلاقنا و كل ما بقي لنا مما هو لنا.
في الرتل القاتل الرتيب والممل والمقرف والذي يمتد من ساحة العباسيين مروراً بباب دمشق الشرقي والى مخيم جرمانا حيث اخوتنا الفلسطينيين وهم على ما هم عليه والى معمل الزيت والتقاطع القاتل حيث تهدر الكمائن المحملة بآلاف الأطنان وتزمجر محركاتها المتعبة مهددة حياة الناس المتكدسين في الميكرويات الصدئة والسيارات المتوقفة التي تبحث عن الخلاص في خضم الفوضى العارمة عندما يقرر السائقون فرضية ذهنية مسبقة لها علاقة بمرض يشبه عمى الألوان مع بعض الاختلاف وهو الرؤية الموحدة لكافة مصابيح أعمدة الإشارة على أنها خضراء على الدوام.
هذه الفرضية قد تؤدي إلى سحق سيارة صغيرة نظامية وصاحبها يحترم حقوق الغير وغير مصاب بعمى الألوان ويرى الضوء الأحمر أحمر والأصفر أصفر والأخضر أخضر فينطلق ليجد في مواجهته قاطرة ومقطورة قرر صاحبها رؤية الضوء الأحمر على أنه أخضر وأنه يحتمل أكثر مما يحتمل ... لتكون المكابح هي طوق النجاة بالنسبة للسيارة الصغيرة فيعبر المجرم عل مرأى ومسمع جماعة من رجال الشرطة بدراجاتهم البيضاء الجميلة وبأجهزتهم اللاسلكية وأضواؤهم الدوارة الحمراء الجميلة دون أن يحركوا ساكن.
الله لطف... وهذا ما يقوله أهل الشام الطيبين ... فلولا أن الله لطف ... لكان الشيء الذي لا يمكن تخيله... كان سيتم تخيله وسيصير أمراً واقعاً لا محالة.
ولأني لا أعرف أقصى حد لعدد ضربات القلب التي تشير إلى أكبر درجات الهلع فلقد قدرت أنني تجاوزت وقلبي كل الحدود القصوى وكتب لي عمر جديد أنا ومن معي في السيارة.
أما الذين يفترض فيهم حمايتي وحماية من هم على شاكلتي فلم يحركوا ساكن وكأن الأمر لا يعنيهم مع يقيني بأنه يعنيهم كثيراً لأنني ومعي من هم على شاكلتي يقع علينا العبئ الأوحد لكوننا المعنيين دون كل خلائق الله بتأمين رواتبهم ورواتب معلميهم وجعالاتهم ودراجاتهم ووقودها وزيوتهم ومحروقاتهم ومحروقات رؤسائهم وندفع نحن ثمن محروقاتنا بمعدلات حارقة.
ودخلنا مدخل جرمانا وهناك من يحرفنا عن مسارنا وبالقوة ... ميكرويات خرجت من جرمانا ودخلت في الاتجاه المعاكس ممنوع المرور تشبه دخول المخرز في العين وعليك تأمينها وإفساح المجال لها تحت طائلة التصادم وجهاً لوجه ... فتراها مندفعة بقوة ... على الرغم من ابتلائها بالمعاصي هي وقباطنتها أما رباطة الجأش والاندفاع الشجاع وإتمام المخالفة إلى نهاياتها مروراً بالموتورات البيضاء المركونة فله ما يبرره... ولا نريد التحدث به... لأن هذا العمل البطولي ليس مخالفة... أما المرور في مرحلة التبديل من الأصفر إلي الأحمر وفيما يتعلق بأجزاء الثانية والويل كل الويل لك إن كنت في السيارة الأخيرة والذي قبلك تأنّى فإنك ستصل إلى حيث يقف وستكون أجزاء الثانية هذه هي سبب خراب وتخلف كل الأمة العربية وعليك سماع محاضرة في الوطنية.
وقابلني إذا كنت تستطيع الفكاك وسيف الـ 1500 مسلط على رأسك يتلوه سيف آخر هو تضاعف المخالفة لتصبح 3000 وهذه نتيجة حتمية لكل المخالفات وتفرض مفاوضات جديدة تتكيف مع الرسوم الجديدة ونتائجها الحتمية.
منذ أول مرة جلست فيها خلف المقود... تمنيت أن أحظى برجل... يفوت على المسيئين ابتزازنا بأجزاء الثانية السابقة الذكر... ويفوت على القاطرة والمقطورة وقبطان أعالي البحار الذي يقودها ... يفوت عليه التلذذ بالتسبب بمجزرة... ويفوت على سائق الميكروب التلذذ بحصاد المعلوم الذي يدفعه لتصبح كل مخالفاته وحتى تلك المتعلقة بممنوع المرور... غير مرئية لأنها مشمولة وهو معها بطاقية الإخفاء.
في حين يتم نزع صباحنا ومسائنا من أجل أجزاء الثواني... والمعاناة تزداد بوجود ألف شاخصة ومليون عمود ومليار شرطي يقفون لك بالمرصاد على كل زاوية ومنعطف.
وفي الركب السلحفاتي القاتل مررنا من تحت قوس النصر في جرمانا وقد تم لنا النصر بعد تعطيل الجانب الآخر من الشارع ليتحول الشارع إلى نصف شارع مما يساهم في زيادة العرقلة وزيادة إفراز الأدرينالين مما يحفز على العصبية والخطأ ليصبح الخطأ في المحصلة مصدر رزق.
وبعد قوس النصر دخل من الجهة المخالفة راكب دراجة نارية وخلفه راكب آخر بمعنى دراجة نارية مركوبة من راكبين... ودخل الراكبين بمركوبهما في الممر اليساري الضيق فأفسحت لهما لأخلص من شرهما وكذلك فعلت السيارة التي بعدي والتي بعدها... ووصلوا إلى السيارة الثالثة ولم يتجاوزوها على الرغم من أنها أفسحت لهما مرة تلو الأخرى... وقد عرف السبب فلقد كانت تقودها فتاة.
ولا بد أن الشبيحة أزعجوا الفتاة فلقد كانت ملامحهم وابتساماتهم وتهكماتهم ترتد على الضوء المنعكس للسيارات... وكانت الفتاة تفتح لهم الطريق بدون جدوى فأغلقت النافذة... ولا بد أن هذا العمل قد وضع رجولتهم على المحك فأذاقوا الفتاة كلاماً أزعجها فكسرت قليلاً إلى اليسار في اتجاههم دون أن تقصد إيذائهم.
فحدث الويل والثبور وعظائم الأمور فلقد توقف سائق الدراجة النارية وانزل قدمه اليسار ووضعها على الأرض حتى لا يختل توازنه ويقع... وكان هذا التوقف لبضعة ثواني استغلتها الفتاة للهروب بضعة أمتار إلى الأمام لعلها تخلص من شيء لم تعد تتمكن من احتماله ... فعلقت بعدها في ساحة الرئيس... وتبعها راكب الدراجة والطرح الذي خلفه وأدركوها عالقة... فنزل الطرح وتوجه إلى السيارة وضرب مرآة السائق فحطمها ورماها على الأرض ثم رفع حافره وضرب باب السائق فأحدث فيه حفرة عميقة وتبعه سائق الدراجة بعد أن أوقف دراجته في وسط الشارع ففتح الباب على الفتاة وصفعها فخرجت تصرخ وتستنجد وجاءت دراجة نارية ثانية ونزل منها اثنين للمساندة وتم ركل السيارة والشتائم تزين الفعل القذر لضباع فقدت كل الكرامة وكل الشهامة وكل المروءة وكل الرجولة في مواجهة فتاة وقفت لتبكي فشعرت أنها أبكت ببكائها كل بنات الشام وشبابها.
وظلت مسافة الثلاثة سيارات تفصل بيننا واحتشد المارة فضعفت الرؤية بالنسبة لي لكني لمحت نصلات سكاكين تلمع في الهواء وأحدهم أخرج مسدس فتحول الناس إلى متفرجين على شكل أرانب وعادت الفتاة إلى سيارتها وانطلقت فابتعد الناس وسار الركب ليتبعها ولم أعرف من أين ولا كيف... تجمع الأنذال من آخر مرتبات النذالة وعلى دراجاتهم النارية ولحقوا الفتاة في رتل واحد... ربما ليتمموا آخر طقوس الوضاعة التي رضعوها من أثداء أمهاتهم ... والسؤال الآن هو ما الحاجة إلى أمثال هؤلاء... ترى لو أن داع دعاهم فهل سيلبوا ... هل سيتركوا دراجاتهم وزجاجات كحولهم والسم الهاري الذي يتعاطونه ليلبوا نداء الوطن ... وهل سيجمعوا بعضهم بالسرعة القياسية التي جمعوا بعضهم فيها لمطاردة فتاة تجرأت على تحدي ذكورتهم كما تعلموها... وما المانع في تحطيم دراجاتهم النارية على رؤسهم... ألم نشهد من قبل اختفاء كل الدراجات النارية واضطرار أصحابها إلى دفنها تحت سابع أرض.
وصلنا إلى البيت بشق النفس وكانت ابنتي الصغيرة تبكي ورأيت دموعها في المرآة... قلت لها لماذا البكاء يا حبيبتي ... قالت: ترى ماذا يحدث للفتاة في هذه اللحظة... قلت لها لا شيء... قالت لماذا تقاعست عن نجدتها يا أبي ... قلت لها لكي لا أحرمك من استعمال كلمة يا أبي بعد الآن ... قالت: وهي ماذا يحدث لها الآن ... قلت لها ... بعد أن تخلى الجميع عنها فإن لها رب لن يتخلى عنها.
آرا سوفاليان
ara@scs-net.org
دمشق 01/06/2007
إرسال الى صديق عــودة
|