دخلت أحد محلات بيع الأعمال الفنية التي أتردد عليها من فترة لأخرى، سلـّمت على الجميع، فبادرت السيدة صاحبة هذا المحل الجميل بكل تهذيب لتعرفني بأحد الموجودين: أعرّفك أستاذ على (فلان الفلاني... فنان ألماني من أصل سوري، مبارح إجانا...) كان ذلك فيما كنت أمد يدي لمصافحة هذا الفنان قبل أن تعرّفني السيدة به. فاجأني برد شديد في يدي التي تجمّدت إلى أن مد يده التي أصبحت طويلة جداً، ولكن البرد انتقل إلى وجهي هرباً من سخونة يده وتسمّرت قزحيتا عينيّ وهي تنظر إلى هذا المهاجر منذ ما قبل الولادة، الذي بدوره تجمدت عيناه الباهتتان وكأنه يقول لي: (لفـّا) هيك الموضة أو يقول: إن هذه السيدة بلهاء وأنا أستغل بلهها لكي تكون لوحاتي مقبولة في محلها وفي الصدارة...، وصدقوني كنت سألـّفها لفاً قاتلا وبدأت بلفـّها فعلاً، ولكن كلما تذكرت صالات العرض في بلادنا وما يعرض فيها أحياناً من بعض الأعمال السيئة والمستوردة التي تلفّ البدن، تعود (هذه اللفـة) إلى الفلتان، وأتذكر الزميل فلان" الفلاني" الذي كان قد تخرج من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق وسافر قبل فترة إلى ألمانيا وأجرى بعض الدراسات والتدريبات هناك ليعود (مبارح) "فنان ألماني من أصل سوري"، حتى كلماته التي يضطر طبعاً أن يتحدث بها للآخرين تكون مشقلبة بين الألماني المشقلب والعربي المبعثر قصداً، وحتى الأحرف العربية باتت أحرفاً غير عربية وأما أعماله التي عرضها في إحدى الصالات مؤخّراً، فقد تحدث عنها المختصون بما يكفي ويكشف، ولكن أريد أن أتحدث عن هذه الظاهرة المسيئة والتي تتفشى في مجتمعنا، والتي إن دلـت تدل على مدى الشعور بالضعف والنقص الموجودين لدى أصحابها، فإن هذا الشعور يجعل الإنسان يتنكـّر لتاريخه ووطنه وأصدقائه ليبحث عن وطن جديد آخر يستورده وأصدقاء جدد، ويترك أهله في قريته البعيدة التي لا يعرفها هؤلاء الأصدقاء.
هذا الضعف بداية الطريق نحو الكذب ونحو موت الإنسان فيصبح الكاذب غريباً عن كل شيء في هذا العالم، فهو ينتمي إلى ما هو كاذب وغير موجود، وأنا هنا بالطبع لا أعتبر أن الجنسية الألمانية شيئاً صغيراً أو أنها ليست مدعاة للتفاخر فأنا أحترم جداً هذا الشعب الذي خرج من تحت الأنقاض ومن فك الموت والقهر ليغدوا سيداً من سادة هذا الكون، له أصالته وتميزه. كما أنني لست بصدد الحديث عن مناقب هذا الشعب المتميز ولكن أريد أن أقول بالرغم من معاناته القاسية آنذاك لم يدّعي فرد منه أنه (فرنسي أو إنكليزي أو عربي) لقد بقوا ألمان وعادوا ألمان وأعتقد أنهم سيبقون كذلك، ولكن أردت من طرح هذا المشهد للزميل (فلان) أن أذكـّر كل الذين يعملون في حقل الإبداع الفكري إنّ الفنان الذي لا يستطيع أن يكون هو بتاريخه وانتمائه وبيئته، لن يستطيع أن يكون أي أحد، وإذا استطاع أن يكون شيئاً من أحد، فإن هذا الشيء لن يكون بالتأكيد أفضل وأجمل من الحقيقة.... يجب أن يعلم هؤلاء المبدعون أنهم ضمير وطنهم وهمّه ومرآة شعب وسجل أمين للتاريخ والحضارة، فإما أن يكونوا حلقة في هذا التاريخ أو يبقون خارجه وربما بين قمامة الشوارع. أيها الذاك (الفلاني)، ترجّل عائداً إلى سفح تلة في قريتك، وخذ نفساًً عميقاً من رائحة الزعتر والطيّون، واشرب من ساقية البستان، وارع عشبة جرجير بري، علّ َحدّة الجرجير تعيد لك حروفك الهجائية، وعبق الزعتر والطيون يشردقك قليلاً حتى لا تختنق بأغنية جبلية. ولعل ذلك السفح يصفح عنك غباء لست بحاجة ماسة له، ارقص قليلاً كالمجنون قبل أن تشطح بمشيتك فأنت لا تطير، وإذا كنت قد تعلمت الطيران "في بلاد الاغتراب" فربما هنا سوف تضطر أن تقف أحياناً باحترام للسلام على أحد (السوريين) الذين يمشون على الطريق، أيها الطائر الشاطح. فيا أيها المبدعون وأنتم جللٌ في هذا الوطن الخصب، عذراً مني إن تحدثت أيضاً في وصية أو تحذير، فبما رأيت عذراً، وإنه لئن تنكـّر أحدكم لتاريخه فسوف ينكر أي شيء وأي أحد، وبالتأكيد سوف يكون نكرة متنكرة بين الآخرين.
المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
يهمل كل تعليق يقدح بشخصيات بعينها أو هيئات.
تهمل التعليقات المتسمة بروح الطائفية والعنصرية أو التي تمس بالذات الإلهية أو تمس المعتقدات الدينية.
تهمل التعليقات التحريضية والتعليقات التي تتضمن تهديدات لشخص او لجهة معينة.
تهمل التعليقات التي تتضمن ترويجا لجهات أو هيئات أو لأشخاص بعينهم.
تهمل التعليقات التي تتعرض للكاتب وشخصه في مقالات الرأي أو التحليلات أو تقارير المراسلين.
يهمل التعليق المتضمن ملاحظات حول إدارة التعليقات أو ملاحظات أخرى عن الموقع بعيدة عن الموضوع المختار للتعليق عليه، حيث أن مثل هذه الأمور لها بريدها الخاص
الموقع عربي فلا تنشر إلا المشاركات المكتوبة باللغة العربية.